منتديات أعمال الخليج
منتديات أعمال الخليج

النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: مفهوم الاقتصاد الخفى

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    2-Aug-2001
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    7,336

    مفهوم الاقتصاد الخفى

    مفهوم الاقتصاد الخفى


    1 - مقدمة .


    يعتبر الاقتصاد الخفى من الظواهر القديمة فى كافة المجتمعات الإنسانية ، فجرائم السرقة والنصب والاحتيال والابتزاز وغيرها من الجرائم ذات الدوافع الاقتصادية قديمة قدم الإنسان نفسه على هذه الأرض. كذلك يمكن افتراض أن جرائم التهرب الضريبى والتحايل على القوانين والإجراءات الحكومية قد بدأت فعليا مع إدخال نظم الضرائب والإجراءات المنظمة لممارسة الأنشطة الاقتصادية المختلفة فى المجتمعات المختلفة. إلا أنه مع ذلك فان الاهتمام بهذه الظاهرة لم يبدأ إلا منذ أعوام قليلة مضت.


    ويوجد شبه اتفاق بين دارسى الاقتصاد الخفى على أن الظاهرة تشترك فيها كافة دول العالم المتقدم منها والنامى. بل ويمكن التأكيد بأن كل منا قد شارك بالفعل بشكل أو بآخر فى أنشطة هذا الاقتصاد ، سواء كان يعلم أو لا يعلم أنه يتعامل فى الاقتصاد الخفى. على سبيل المثال عندما ندفع نقودا فى مقابل درس خصوصى لأبنائنا ، أو عندما نستدعى سباكا أو نجارا أو غير ذلك ، أو عندما نشترى سلعة من بائع جائل ، أو عندما ندفع بقشيشا أو رشوة ... الخ، فإننا نتعامل فى الاقتصاد الخفى. ذلك إن أمثال هؤلاء لا يكشفون عن مثل هذه الدخول إلى السلطات الضريبية. ونحن نسمع من وقت لآخر من وسائل الإعلام عن قصص حول الاقتصاد الخفى ، كذلك قد نسمع عن بعض المعاملات التى تتم بالمقايضة أو نسمع عن بعض الأنشطة والمبادلات غير القانونية التى تتم ولا تسجل أو لا تقاس.


    ويعد Gutmann ( 1977 ) أول من لفت الانتباه إلى هذه الظاهرة عندما نشر بحثه عن الاقتصاد السفلى Subterranean Economy ، والذى أشار فيه إلى أن المعاملات الاقتصادية التى لا يتم تسجيلها ضمن حسابات الناتج القومى ليست بهذا القدر الهين الذى يمكن معه إهمالها. ونتيجة لذلك حاول الكثير من الاقتصاديين إثبات الفرضية التى طرحها Gutmann وذلك من خلال التأكد من الأهمية النسبية للاقتصاديات الخفية فى دول العالم المختلفة. ولقد أثبتت هذه الدراسات إن الاقتصاديات الخفية كما ادعى Gutmann بلغت نسبا لا يمكن إهمالها من إجمالي النشاط الاقتصادى فى كل من دول الشرق والغرب. بل وأنها فى بعض الحالات تنمو بمعدلات لم تشهدها الاقتصاديات الرسمية. ولقد أدى ذلك إلى تصاعد الاهتمام فى الكثير من دول العالم ، خصوصا المتقدم منها ، بحجم ومستوى نمو أنشطة الاقتصاد الخفى ، وما إذا كان الاقتصاد الخفى يتزايد أم لا؟، وما إذا كان من الممكن قياس حجم الاقتصاد الخفى والتحكم فيه؟، وما إذا كانت التكاليف الاجتماعية المصاحبة لوجود الاقتصاد الخفى كبيرة أم لا؟. وغير ذلك من القضايا المرتبطة بوجود هذا الاقتصاد.


    ولقد أطلقت تعبيرات متعددة على هذا القطاع من الاقتصاد. فقد أسمى بالاقتصاد التحتى Underground Economy ، والاقتصاد الخفى Hidden Economy ، والاقتصاد الأسود Black Economy ، والاقتصاد غير المرئى Unobserved Economy ، والاقتصاد المغمور ( الغاطس ) Submerged Economy ، والاقتصاد السفلى Subterranean Economy ، والاقتصاد غير الرسمى Informal Economy، والاقتصاد الثانى Second Economy ، والاقتصاد غير المسجل Unreported Economy ، واقتصاد الظل Shadow Economy ، والاقتصاد المقابل Counterpart Economy ، واقتصاد الباب الخلفى Back Door Economy ، وغير ذلك. وأيا كانت التسمية فان الاقتصاد الخفى يعد من الظواهر المعقدة والتى تضم الكثير من الجوانب المختلفة والمتشابكة والتى تحتاج إلى درجة أكبر من التحليل والفهم.


    ويهدف هذا الفصل إلى تحليل القضايا النظرية المرتبطة بوجود الاقتصاد الخفى وذلك من خلال تعريف المقصود بالاقتصاد الخفى ، وأسباب نمو هذا الاقتصاد والتعرف على الطرق المختلفة لتقدير حجم المعاملات التى تتم فى الاقتصاد الخفى. ثم محاولة التعرف على الآثار السلبية المرتبطة بوجود هذا الاقتصاد ، وكذلك الآثار الإيجابية له وأخيرا كيفية التغلب على ظاهرة الاقتصاد الخفى.




    2 - تعريف الاقتصاد الخفى.


    يعتبر تعريف المقصود بالاقتصاد الخفى من الأمور المهمة خصوصا فى مجال الدراسات التطبيقية لهذا الاقتصاد. إذ أنه بناءا على التعريف سوف تتحدد مهمة القياس أو التقدير. ومن المهم الإشارة إلى أنه ليس هناك اتفاق على تعريف محدد للمقصود بالاقتصاد الخفى. فالمقصود بعبارة الاقتصاد الخفى يختلف من شخص لآخر حسب مفهومه للأنشطة التى تتم فى مثل هذا الاقتصاد. على سبيل المثال فان مفهوم الاقتصاد الخفى بالنسبة لكل من Gutmann ( 1977 ) و Fiege ( 1979 ) ينصرف إلى الناتج القومى غير المحسوب ، أو ذلك الجزء من الناتج القومى الإجمالي الذى كان يجب أن يدخل فى حسابات الناتج القومى الإجمالي ولكنه لسبب أو لآخر لم يدخل ضمن هذه الحسابات. أما بالنسبة لـTanzi ( 1982a ) فان الاقتصاد الخفى ينصرف إلى كافة الدخول التى لا يتم الكشف عنها للسلطات الضريبية والتى قد تدخل أو قد لا تدخل ضمن حسابات الدخل القومى ( يعتمد ذلك على طبيعة مصادر هذه الدخول ). إن كل من هذين التعريفين مهم وكلاهما مفيد ولكن لابد أن ندرك أن هذين التعريفين ينصرفان إلى أشياء مختلفة.


    ويتفق الكثير من الباحثين فى مجال الاقتصاد الخفى على أن مصطلح الاقتصاد الخفى يضم مجموعة مختلفة من الأنشطة التى تشترك فى محاولة التهرب الضريبى أو الحاجة إلى تجنب القيود الروتينية الموضوعة على عملية ممارسة النشاط الاقتصادى. غير أن هناك جانبا لا يمكن إهماله من الأنشطة التى تتم فى هذا الاقتصاد بسبب الطبيعة الخاصة لهذه الأنشطة والتى تعد مخالفة للقانون. على سبيل المثال فان أنشطة الرشوة والعمولات والسرقة وبيع السلع المسروقة وتجارة المخدرات وأنشطة التهريب السلعى Smuggling وتهريب الأموال وأنشطة القمار والدعارة وأنشطة المافيا أو فرض الإتاوات... إلى آخر هذه القائمة الطويلة من الأنشطة التى تعد مخالفة للقانون قد تمثل جانبا لا يمكن إهماله.



    ويشير Mirus, Roger, & Smith [ 1994a ] إلى أن ما نطلق عليه بأنشطة الاقتصاد الخفى سيعتمد على المنظور الذى ننظر منه إلى هذا الاقتصاد. فقد ننظر إلى الاقتصاد الخفى على أنه يضم كافة الأنشطة المصاحبة لعمليات التهرب الضريبى الناشئ عن وجود هذا الاقتصاد. أو قد ننظر إليه من منظور أثر وجود هذا الاقتصاد على مدى دقة حسابات الناتج القومى فى الاقتصاد ككل. ومن المنظور الأول فان نقطة الانطلاق هى النظام القانونى الذى يحدد طبيعة الدخول التى تخضع للضريبة. ووفقا لذلك فان الاقتصاد الخفى يشمل كافة الأنشطة التى تولد دخلا يخضع للضريبة والتى يتم إخفاءها عن السلطات الضريبية فى البلاد بهدف التهرب من دفع الضريبة. أما من المنظور الثانى فان الاقتصاد الخفى سيتسع ليشمل كافة الأنشطة التى يترتب عليها توليدا للدخل ، سواء أكانت هذه الأنشطة قانونية أو غير قانونية ، أو سواء إذا كانت خاضعة أو غير خاضعة للضريبة.


    ولكن هل يمكن أن نطلق على هذا الاقتصاد عبارة الاقتصاد غير القانونى. إن مدى دقة هذا اللفظ سوف تعتمد على مفهومنا حول ما يمكن أن نطلق عليه غير قانونى. فهل الأنشطة المولدة للدخل فى الاقتصاد الرسمى والتى لا يعلن عنها للسلطات الضريبية تعد غير قانونية ، أم أن عملية التهرب الضريبى ذاتها هى التى تعد غير قانونية. أن المشكلة الأساسية التى نواجهها هنا لها جانبان ، جانب حسابى وجانب قانونى. فالجانب الحسابى يتمثل فى أن هناك جزءا من النشاط الاقتصادى يتم فى إطار قانونى كامل ويتمتع بالصفة القانونية ولكنه لم يسجل ضمن حسابات الدخل القومى لتعمد إخفاؤه بهدف التهرب من الضريبة. أما الجانب الآخر، وهو التهرب الضريبى ، فهو الجانب غير القانونى فى القضية. ولذلك يصعب أن نطلق على كافة المعاملات التى تتم فى الاقتصاد الخفى بأنها معاملات غير قانونية.


    من ناحية أخرى نجد أن بعض الاقتصاديين مثل Molefsky [ 1982 ] يشير إلى أن عبارة الاقتصاد الخفى لا تعنى أن كافة المعاملات التى تتم فى الاقتصاد الخفى لا تسجل فى الإحصاءات الرسمية للدخل القومى. فهناك احتمال أن يشمل الاقتصاد الخفى جانبا من المعاملات التى تتم أصلا فى الاقتصاد الرسمى. فقد تنتج بعض السلع فى الاقتصاد الرسمى ، ومن ثم تسجل بالتبعية ضمن حساباته ، ومع ذلك يتم استخدامها فى الاقتصاد الخفى ، ولا تسجل بالتالى القيمة المضافة التى تتم عليها فى الاقتصاد الخفى ضمن حسابات الناتج القومى.


    ومما سبق يمكن تعريف الاقتصاد الخفى بأنه " كافة الأنشطة المولدة للدخل الذى لا يسجل ضمن حسابات الناتج القومى إما لتعمد إخفاءه تهربا من الالتزامات القانونية المرتبطة بالكشف عن هذه الأنشطة ، واما بسبب أن هذه الأنشطة المولدة للدخل بحكم طبيعتها تعد من الأنشطة المخالفة للنظام القانونى السائد فى البلاد ". ووفقا لهذا التعريف فان أنشطة الاقتصاد الخفى تشمل الدخول المولدة بطرق شرعية ولكن لا يعلن عنها للإدارات الضريبية ، وكذلك الأنشطة الإجرامية التقليدية مثل الاتجار بالمخدرات والقمار والتهريب وغيرها. وأخيرا عمليات المقايضة التى تتم بدون استخدام النقود.


    3 - أسباب نمو الاقتصاد الخفى.


    تختلف أسباب نمو الاقتصاد الخفى من دولة لأخرى ، إلا أنه من الممكن بصفة عامة حصر هذه الأسباب فى الآتى:


    3/1 - ارتفاع مستوى الضرائب.


    يتزايد الحافز نحو التحول إلى العمل فى الاقتصاد الخفى إذا كانت الأنشطة فى الاقتصاد الرسمى تتعرض للمزيد من الضرائب من وقت لآخر. ويعتمد قرار المشاركة فى الاقتصاد الخفى للتهرب من الضرائب على أساس الموازنة بين العقوبات التى قد يتعرض لها الفرد فى حالة اكتشاف التهرب ، وكافة المخاطر الأخرى ، وبين الدخول الإضافية التى ستعود عليه من التهرب من دفع الضرائب ، أخذا فى الاعتبار مدى استعداده لتحمل المخاطرة. وبناءا على هذه الموازنة يتخذ الفرد قرارة بالتهرب أو عدم التهرب.


    ويؤدى نمو العبئ الضريبى سواء أكان ذلك بالنسبة للضرائب المباشرة أو الضرائب غير المباشرة إلى رفع نسبة الضرائب إلى الناتج القومى. وهو ما يدفع إما إلى محاولة تجنب الضرائب أو التهرب من دفع الضرائب. ويؤدى ارتفاع العبئ الضريبى إلى تحويل بعض الأنشطة إلى الاقتصاد الخفى ، حيث تصبح هذه الأنشطة غير مسجلة وبالتالى لا تدفع ضرائب. ويتوقع أن تؤدى كل أشكال الضرائب إلى تحول المشروعات نحو الاقتصاد الخفى ، إلا أن أهمية ودرجة تأثير نوع معين من الضرائب تختلف من دولة إلى أخرى. على سبيل المثال فان نمو الاقتصاد الخفى فى الولايات المتحدة يعزى إلى الضرائب على الدخل. بينما يعزى نمو الاقتصاد الخفى فى أوروبا إلى ارتفاع اشتراكات التأمينات الاجتماعية والضرائب على القيمة المضافة. أما إذا ما أخذنا الدول النامية فى الاعتبار فان الضرائب المرتفعة على التجارة الخارجية لهذه الدول يمكن إدخالها أيضا فى قائمة العوامل المسئولة عن تحول المشروعات نحو الاقتصاد الخفى.


    على سبيل المثال يشير Hansson ( 1982 ) إلى أن ارتفاع معدل الضريبة على الدخل الاضافى يمثل العامل الرئيسى فى ظهور الاقتصاد الخفى فى السويد. فوفقا لمعدلات الضريبة السائدة فى السويد يؤدى قيام الممول بعدم الكشف عن دخوله الإضافية إلى تهرب ضريبى نسبته 65% من الدخول غير المكشوف عنها. الأمر الذى يمثل حافزا كبيرا للممولين نحو التهرب الضريبى والتحول نحو الاقتصاد الخفى. ويعطى Hansson ( 1982 ) مثالا على ذلك فى حالة السويد ، حيث يشير إلى أن العامل الذى يعمل فى الاقتصاد الخفى ساعة إضافية بنصف الأجر الذى يعمل به فى الاقتصاد الرسمى سيحصل على إيراد صافى يساوى ضعف إيراده من تلك الساعة إذا ما عمل فى الاقتصاد الرسمى ودفع الضريبة المفروضة فى الاقتصاد الرسمى عن هذه الساعة الإضافية. وبالرغم من كون النظام الضريبى فى السويد من الأنظمة ذات الكفاءة العالية ، بالإضافة إلى انخفاض نسبة الفساد الادارى بين العاملين فى مجال الضرائب ، والتى تكفل حصر الاقتصاد الخفى فى أضيق نطاق ممكن بالمقارنة بباقى الدول ، إلا أن Hanson ( 1982 ) يشير إلى أن آثار ارتفاع معدلات الضريبة ، وبصفة خاصة على الدخول الحدية على المدى الطويل ، تنعكس فى صورة ازدهار للاقتصاد الخفى ، وتوفر بالفعل دوافع نحو المخاطرة والتحول نحو الاقتصاد الخفى.


    وتمثل العلاقة التبادلية بين التضخم وارتفاع مستويات الضريبة على الدخل عاملا إضافيا يؤدى إلى ازدهار أنشطة الاقتصاد الخفى. فعندما تزداد الدخول الاسمية مع ارتفاع معدلات التضخم ينتقل دافعى الضرائب إلى شرائح أعلى من الدخل ، وهو ما يؤدى إلى ارتفاع معدلات الضرائب بالرغم من أن الدخل القابل للتصرف بعد فرض الضريبة قد ينخفض من الناحية الحقيقية بفعل وجود التضخم. لذلك يعمد بعض الأفراد إلى التهرب الضريبى من خلال إخفاء جانب من دخولهم عند كتابة إقراراتهم الضريبية ، أو قد يميلون إلى تفضيل إجراء المعاملات من خلال نظام المقايضة حتى يتجنبون انخفاض مستويات المعيشة الناجمة عن التضخم وارتفاع معدلات الضريبة فى ذات الوقت.


    على أن السؤال الذى يطرح نفسه هنا هو هل يؤدى تخفيض معدلات الضريبة إلى القضاء على الاقتصاد الخفى؟. إن تخفيض معدلات الضريبة قد لا يعنى بالضرورة القضاء على الاقتصاد الخفى. ذلك أن المتعاملين فى الاقتصاد الخفى يتمتعون بمعدل ضريبة فعلى يساوى صفرا. وبالتالى فان تخفيض معدل الضريبة بعدة نقاط ليس من المحتمل أن يؤثر على رغبة هؤلاء الأفراد فى إظهار دخولهم الحقيقية ودفع الضريبة المطلوبة. على انه على احسن الفروض يمكن تخيل أن تخفيض معدل الضريبة سوف يقلل من الحافز نحو دخول مزيد من الأفراد إلى الاقتصاد الخفى. أما هؤلاء الذين يتعاملون فعلا فى الاقتصاد الخفى فيصعب تصور أن تتأثر أعدادهم بتخفيض معدلات الضريبة.


    كذلك فان إدخال أشكال أخرى من الضريبة غير المباشرة مثل ضريبة القيمة المضافة Value Added Tax ( VAT ) ، أو ضريبة المبيعات Sales Tax بدلا من الضرائب على الدخل لن يقضى على الاقتصاد الخفى. على سبيل المثال فان الدول الأوروبية تعانى من وجود اقتصاد خفى بالرغم من استخدام ضريبة القيمة المضافة على نطاق واسع. ذلك أن من الممكن التهرب من ضريبة القيمة المضافة من خلال الاتفاقات التى يمكن أن تتم بين المنتجين والمشترين ، وكذلك من خلال تزييف الفواتير. وإذا ما نجح المتعاملون فى التهرب من الضريبة على القيمة المضافة فان ذلك سوف يمكنهم من تحصيل الضريبة والاحتفاظ بها لأنفسهم.


    وبالرغم من أن التحليل الاقتصادى الجزئى Microeconomic Analysis للضريبة يشير إلى أن أرباح المنتج تميل إلى الانخفاض مع زيادة مستوى الضريبة لان المنتج قد يضطر إلى تحمل جانبا من الضريبة ، يعتمد ذلك على درجة مرونة الطلب السعرية. إلا أن التحول نحو الاقتصاد الخفى يجعل من الضريبة مصدرا جيدا للدخل للكثير من تجار التجزئة. بل وقد يمكنهم من زيادة مستوى أعمالهم وذلك عن طريق منح خصم لعملائهم يعادل قيمة - أو جزء من - الضريبة.


    ويرتبط بهذا العنصر مدى شعور الأفراد بالرضاء عن السياسات الحكومية ، وقناعتهم بالأهداف التى تسعى السلطات إلى تحقيقها. إذ يعد ذلك من العوامل الفعالة فى رفع درجة الالتزام الأدبي من جانب الأفراد نحو دفع الضريبة. فإذا أحس الأفراد بعدم جدوى البرامج الحكومية ، أو أن هناك إسرافا مبالغا فيه فى إنفاق حصيلة الضرائب ، أو أحس الأفراد بان ليس هناك عائد ملموس يعود عليهم ، فانهم قد يميلون إلى محاولة التهرب من أو تجنب دفع الضريبة.


    3/2 - النظم والقيود الحكومية.


    يرى البعض أنه إذا لم يكن هناك ضرائب فان الاقتصاد الخفى سوف يستمر أيضا فى الظهور بسبب القيود الحكومية الأخرى المفروضة على النشاط الاقتصادى للأفراد. وتفرض هذه النظم أو القيود إما بهدف تنظيم ممارسة أعمال معينة أو رفع مستوى الرفاهية الاقتصادية للأفراد وضمان مستويات مناسبة من المعيشة أو الرفاهية أو الأمان. أو قد تفرض بسبب أن الأنشطة ذاتها أنشطة إجرامية أو غير قانونية من المنظور الاقتصادى أو الاجتماعى. وإذا كانت هذه القيود مصحوبة بغرامات مرتفعة ونظام فعال للرقابة فقد تحول دون وجود مثل هذه الأنشطة ، إلا أنها للأسف فى أغلب الأحوال ستحول هذه الأنشطة إلى الاقتصاد الخفى.


    أن الكثير من الدول وبصفة خاصة الدول الصناعية تمنح بعض المزايا لأغراض رفع مستويات الرفاهية العامة للأفراد المقيمين داخل حدود دولهم. وتتناسب هذه المدفوعات بصورة عكسية مع الدخل. وعادة ما يبدأ صرفها عندما ينخفض الدخل إلى مستوى معين. وقد تؤدى نظم الضمان الاجتماعى ومدفوعات الرفاهية التى تدفعها الحكومة للأفراد إلى دفعهم نحو دخول الاقتصاد الخفى. فعندما يتعدى الدخل مستوى معين ، يصبح الفرد غير مؤهل للحصول على الإعانة الاجتماعية ، أو يحصل على جزء منها فقط. وقد يدفع هذا الأمر هؤلاء الأفراد إلى دخول الاقتصاد الخفى حتى لا تتأثر مدفوعات الضمان الاجتماعى لهم. ولهذا السبب تنتشر عمالة الأفراد الذين أحيلوا إلى التقاعد فى الاقتصاد الخفى ، خوفا من تأثر مدفوعات المعاش لهم من جراء انكشاف مصادر الدخل التى يحصلون عليها من عملهم إذا ما قرروا العمل فى الاقتصاد الرسمى.


    وفى كثير من الأحيان تتطلب ممارسة بعض أنواع الوظائف أو الحرف الحصول على إذن رسمى أو ترخيص. كما قد تهدف هذه النظم إلى الحد من الكمية المعروضة من سلع أو خدمات معينة ، وهو ما ينشأ عنه فى بعض الأحوال فجوة بين الكمية المعروضة والكمية المطلوبة من هذه السلع والخدمات ، مما يوفر دافع لدى الأفراد الذين ليس لديهم ترخيصا بمزاولة المهنة أو بإنتاج هذه السلع والخدمات إلى دخول الاقتصاد الخفى والعمل بأجر اقل أو الإنتاج بسعر أقل فى الاقتصاد الخفى بدون تحمل الاستثمارات المتمثلة فى تكاليف استخراج مثل هذه التراخيص.


    كذلك فان بعض القيود الحكومية على إنتاج سلعة معينة قد تهدف إلى تحقيق بعض الأهداف الاقتصادية والاجتماعية. مثل حماية مستوى المعيشة للعمال أو حماية المستهلكين. إلا أن ذلك يدفع بعض المنشآت إلى الظهور بهدف الحصول على ميزة تنافسية من خلال تجنب هذه القوانين. كذلك فان هناك مجموعة من القيود القانونية الأخرى التى تساهم فى تحول المشروعات نحو الاقتصاد الخفى ، مثال ذلك القيود القانونية أو المفروضة من قبل نقابات العمال حول مستويات الأمان والسلامة الواجب توفيرها أثناء أداء الوظيفة. أو القيود القانونية الخاصة بالمواصفات الواجب الالتزام بها فى تصميم المشروعات بهدف حماية البيئة. أو القيود على الحد الأدنى للأجور.


    3/3 - دور المشروعات الصغيرة.


    يعتبر الاقتصاد الخفى مهم جدا بالنسبة للمشروعات الصغيرة ، كما أن المشروعات الصغيرة مهمة جدا لوجود الاقتصاد الخفى. فالمشروعات الصغيرة تميل إلى إجراء معاملاتها باستخدام النقود السائلة ، ومن المعلوم أن مجالات الأعمال التى تقوم على استخدام النقود السائلة فى إجراء المعاملات تسهل من الأنشطة الخفية. ولهذا السبب نجد أن أى محاولة لتطبيق النظم الضريبية بالقوة يترتب عليها إفلاس عدد كبير من المشروعات الصغيرة ، لان هذه المشروعات تعمل أصلا فى ظل افتراض عدم وجود ضرائب.


    ويؤدى تزايد أعداد المشروعات الصغيرة التى تقوم أساسا على استخدام النقود السائلة فى إبراء المعاملات إلى زيادة الأهمية النسبية للاقتصاد الخفى فى العديد من الدول. حيث يصبح من السهل التهرب من الضريبة عندما يكون حجم المشروعات صغير نسبيا.

    3/4 - ندرة السلع.


    تختلف طبيعة العوامل المسئولة عن نمو الاقتصاد الخفى من الدول النامية إلى الدول المتقدمة. فمما لا شك فيه أن جانبا كبيرا من التحليل عن أسباب نمو الاقتصاد الخفى تم على أساس حالة الدول المتقدمة ، والتى تلعب فيها الضرائب دورا أساسيا. أما فيما يتعلق بالدول النامية فان الأمر يختلف بعض الشئ. إذا أننا نواجه فى هذه الحالة اقتصادا على جانب كبير من السيطرة والتحكم فيه من جانب الحكومة ويعانى من عجز فى عرض بعض السلع. كما أن جانبا كبيرا من هيكل الضريبة ينصب على الضرائب الغير مباشرة وليس الضرائب على الدخل ، والتى يفترض أنها العامل الأساسى فى نمو الاقتصاد الخفى فى الدول المتقدمة. ولذلك نجد أن السبب الرئيسى فى نمو الاقتصاد الخفى فى هذه الدول هو نقص عرض السلع الاستهلاكية والرأسمالية ، وسهولة التلاعب فى السلع التى توفرها الحكومة ، والتى يفترض أن يتم توزيعها من خلال المنافذ المختلفة التى تتولى الحكومة الإشراف عليها.


    إن النظام الخاص بالأسعار فى هذه الدول عادة ما يكون غير مناسبا ولا يعكس مستوى الندرة. فالسلع الأساسية تباع بأسعار مدعمة. وتؤدى هذه الأسعار المنخفضة إلى انتشار ظاهرة الطوابير وأحيانا زيادة فائض الطلب على السلع الاستهلاكية. ويؤدى ذلك الأمر إلى ازدهار أنشطة الاقتصاد الخفى أما من خلال إعادة بيع هذه السلع بصورة غير قانونية ، أو من خلال محاولة إنتاج هذه السلع فى الاقتصاد الخفى للوفاء باحتياجات الطلب عليها.

    3/5 - دور المعلومات.


    تلعب المعلومات دورا حيويا فى أداء الاقتصاد الخفى. فكل من المشترين والبائعين فى سوق السلع والعمل يحتاجون إلى معلومات عن الأطراف موضع المعاملات التى تتم على أرض الواقع. كذلك قد تكون هناك حاجة إلى المعلومات عن الأسعار والجودة والبدائل المتاحة. وبدون توافر هذه المعلومات فان السوق لا يمكنه العمل. وعلى ذلك لكى ينمو الاقتصاد الخفى فلابد من توافر المعلومات بسهولة وبتكلفة قليلة.


    على أنه تنبغى الإشارة إلى انه إذا كانت البيانات متاحة بهذه السهولة للأطراف المتعاملة فى الاقتصاد الخفى ، فانه من المتوقع بالتالى أن تكون متاحة أيضا للحكومة. ومما لاشك فيه أن المعلومات سوف يكون لها تكلفة لمن يريد التعامل فى الاقتصاد الخفى. ومن ثم فان ازدهار الاقتصاد الخفى فى هذه الحالة سوف يعنى أن الحكومة أما لا تستطيع جمع هذه المعلومات أو لا ترغب فى جمعها أصلا.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    2-Aug-2001
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    7,336
    4 - طرق تقدير حجم الاقتصاد الخفى.


    يتفق دارسو الاقتصاد الخفى على انه من المستحيل تقدير حجم هذا الاقتصاد لأنه أصلا اقتصاد خفى. إلا أن ذلك لم يمنع من محاولة التوصل إلى تقدير ما لحجم الاقتصاد الخفى. وعندما تمت محاولات لتقدير حجم الاقتصاد الخفى ، وجد أن هذه التقديرات متضاربة حتى بالنسبة للاقتصاد الواحد وذلك بسبب عدم الاتفاق على تعريف محدد للاقتصاد الخفى ، ومن ثم يختلف التقدير باختلاف تعريف الأنشطة التى يتم تقديرها. كذلك تتعدد الأساليب المستخدمة فى تقدير حجم الاقتصاد الخفى وتختلف من حيث المدخل المستخدم فى القياس. ولذلك لا يستطيع أي من الذين تناولوا هذا الموضوع الادعاء بأنهم قد قاموا بتقدير حجم الاقتصاد الخفى بدقة.


    ويوجد هناك فى الواقع مجموعتين من الأساليب لتقدير حجم الاقتصاد الخفى. وتسمى المجموعة الأولى بالأساليب المباشرة ، والتى تقوم على أساس تقدير الأنشطة التى تتم فى الاقتصاد الخفى وتجميع هذه الأنشطة لنحصل على تقدير للمعاملات التى تتم فى هذا الاقتصاد. ونظر لصعوبة مثل هذه الأساليب المباشرة فقد استخدمت طرق أخرى غير مباشرة. وتقوم هذه الأساليب على محاولة اكتشاف الآثار التى تترتب على وجود مثل هذا الاقتصاد.


    ويرى Frey & Bruno [ 1982 ] أن ما يتم قياسه فى هذه الدراسات التى تقوم على تقدير حجم الاقتصاد الخفى يعد أمرا غير واضح. فقد يكون حجم المبادلات التى تتم فى هذا الاقتصاد ، مثال ذلك المبيعات من المخدرات وغيرها من الأنشطة ، أو قد يتناول جانبا واحدا فقط من هذا الاقتصاد ، مثل عملية التهرب الضريبى. ولذلك فانهما يريان أنه من الأفضل محاولة تحديد العوامل المسئولة عن الاقتصاد الخفى بدلا من محاولة تقديره. وبالرغم من وجاهة وجهة النظر هذه فإننا لا يمكننا التقليل من أهمية عملية تقدير حجم الاقتصاد الخفى. فلا شك أن إلحاح الحاجة نحو تحديد العوامل المسئولة عن وجود الاقتصاد الخفى ستعتمد أساسا على مدى كبر أو صغر حجم الاقتصاد الخفى. فالحاجة الماسة لتمييز العوامل المسئولة عن الاقتصاد الخفى تنشأ فقط إذا كان حجم هذا الاقتصاد جوهريا بالدرجة التى تؤثر على أداء الاقتصاد الرسمى.


    وفيما يلى نتناول المداخل المختلفة التى تناولت عملية تقدير حجم الاقتصاد الخفى بالتفصيل.


    4/1 - مدخل الفروق بين الدخل والإنفاق.


    يسمى هذا المدخل بأسلوب الفروق المكشوفة بين إنفاق القطاع العائلى ودخله. فالأفراد الذين يقل دخلهم المعلن عن إنفاقهم ربما يخفون جانبا من دخلهم والذى قد يرجع الى دخول مولدة أصلا فى الاقتصاد الخفى. ويقوم هذا المدخل على فرض الرئيسى مؤداه أن الأفراد يحصلون على دخول من مصادر مختلفة وأن هناك جانبا من هذه الدخول لا يتم الإفصاح عنها أو على الأقل إخفاء جانبا منها. إلا أن هذه الدخول المخفاة سوف تتحول الى إنفاق أن آجلا أو عاجلا. وبمعنى آخر فان هذا الأسلوب لتقدير حجم الاقتصاد الخفى يقوم على أساس أن معاملات الاقتصاد الخفى لن تظهر فى صورة دخل ولكنها ستظهر فى صورة إنفاق. فإذا ما كان ذلك صحيحا فان هذه الفروق بين الدخول المسجلة والإنفاق تعطينا معلومات حول حجم الاقتصاد الخفى. أكثر من ذلك فان التغيرات السنوية فى حجم هذه الفروق بين الدخل والإنفاق تشير الى الاتجاه العام Trend للاقتصاد الخفى. ويمكن وفقا لهذا المدخل تقدير حجم الاقتصاد الخفى بأسلوبين ؛ الأول يقوم على أساس المقارنة بين الدخل والإنفاق على المستوى الكلىMacro . أما الأسلوب الثانى فيتناول القضية على مستوى التحليل الجزئى Micro وذلك من خلال مقارنة الدخل بالإنفاق للمجموعات المختلفة من الأفراد ثم تعميم النتائج على مستوى الاقتصاد ككل. وعلى المستوى الكلى يتم تحديد حجم الاقتصاد الخفى من خلال مقارنة تقديرات الحسابات القومية للدخل مع تقديرات الدخل التى تتم اعتمادا على الإيرادات الضريبية. أما الفروق فلابد وأن تمثل تقديرا للدخل الغير معلن عنه للسلطات الضريبية. ولقد تمت مثل هذه المقارنات للعديد من الدول.


    على سبيل المثال قام Park [ 1979 ] بدراسة عن الولايات المتحدة فى محاولة لقياس " الفروق غير المبررة Unexplained Differences " " بين تقدير الدخل الشخصى بواسطة مكتب التحليل الاقتصادى " Bureau of Economic Analysis " وتلك الخاصة بالتقديرات المعدلة للدخل على أساس عينة من الإيرادات الضريبية بواسطة إدارة الضرائب Internal Tax Revenue . وبإجراء بعض التعديلات لتجنب اثر الفروق فى التغطية الإحصائية لبيانات الحسابات القومية وبيانات الضرائب ، وكذلك لاختلاف المفاهيم الخاصة بالدخل ، بهدف جعل هذه التقديرات أكثر توافقا توصل الى أنه فى عام 1977 كانت التقديرات - المعدلة - لبيانات الدخل الكلى بواسطة مكتب التحليل الاقتصادى تتعدى تلك الخاصة بإدارة الضريبة بأكثر من 82 مليار دولار ، أو 4% من الناتج المحسوب. أما بالنسبة للسنوات السابقة فقد توصل Park الى نسب 5.5% عام 1968 و 9.4% عام 1948. ويعنى ذلك أننا لو اعتبرنا ذلك انعكاسا للاقتصاد الخفى فان تقديرات Park تشير الى أن حجم الاقتصاد الخفى قد انخفض فى الولايات المتحدة الأمريكية منذ الحرب العالمية الأولى .


    وعلى العكس من تلك التقديرات يشير Frey & Pommerehne [ 1982 ] الى أن الفروق بين قياسات الدخل القومى وتقديرات الدخل القائمة على أساس إيرادات الضريبة ( المعدلة ) تضاعفت خلال الفترة من 1970-1978 بحوالى 9 أضعاف بالرغم من أن القياسات الرسمية للناتج القومى تشير الى أن الناتج تزايد 3 مرات فقط. كذلك يشير Frey & Pommerehne ( 1982 ) الى أن هذه الفروق قد قدرت بحوالى 4.7% عام 1978 فى الولايات المتحدة ، وفى الدانمرك بحوالى 6% فى عام 1974 / 1975 ، وحوالى 8.9 % فى ألمانيا الغربية ( سابقا ) ، و20% فى بلجيكا فى أعوام 1965-1966 و 1970 ، كذلك قدرت تلك الفروق بحوالى 23% بالنسبة لفرنسا عام 1965. أما( 1982 ) Dilnot & Morris فيشيران الى أن تقديرات الدخل تقل عن تقديرات الإنفاق فى المملكة المتحدة بحوالى 4% عام 1975.


    ويمكن إيضاح هذه الفروق أيضا على مستوى التحليل الجزئى ، وذلك من خلال تقدير الفروق غير المغطاة بين الدخل والإنفاق للقطاع العائلى. وفى هذا المجال فقد تمت بعض الدراسات على بعض الفئات من القطاع العائلى أو بعض المنتمين الى مهنة معينة أو فئة دخلية معينة. ويشير كل من Frey & Pommerehne [ 1982 ] الى أن بعض الدراسات أشارت الى المنتمين الى القطاع العائلى الخاص فى المملكة المتحدة ، وعلى رأسه الأفراد الذين يعملون لحسابهم Self Employed ، لم يعلنوا عن 2.1 مليار جنيه استرلينى من دخولهم فى إجاباتهم عن مسح المستهلك Consumer Survey. وهو ما يمثل حوالى 2% من الدخل القومى. ونفس النتائج توصل إليها مكتب الإحصاء المركزى CSO فى المملكة المتحدة. كذلك فقد توصل مسح على 1000 أسرة من الأسر المهاجرة الى إسرائيل من الجزء الأوروبى فى الاتحاد السوفيتى الى أن حوالى 10% - 12% من دخول هذه الفئة أتت من مصادر خاصة ، وأن حوالى 18% من إنفاقهم الاستهلاكى يتم من خلال مؤسسات خاصة ، وأنه بأخذ الأشكال المختلفة للتعديل فان الاقتصاد الغير رسمى فى إسرائيل يصل الى حوالى 6% الى 7% من الناتج القومى الإجمالى فى عام 1973.


    وتنبغى الإشارة الى ضرورة أخذ الحذر عند تناول هذا المدخل. فمن الممكن أن تكون زيادة الإنفاق عن الدخل راجعة الى الادخار السلبى ، أو بسبب ظروف طارئة أو بسبب العوامل المرتبطة بدورة الحياة Life Cycle. من ناحية أخرى فان Greenfield [ 1993 ] يشير الى أن هناك احتمال قوى أن يلجأ الأفراد الى إعطاء إجابات زائفة ، أو أنهم قد لا يعلمون أن من يقدمون لهم السلع أو الخدمات يعملون أصلا فى الاقتصاد الخفى.


    4/2 - مدخل المراجعات الضريبية.


    يتناول هذا المدخل المعلومات عن الاقتصاد الخفى على أساس الجهود التى تبذلها الإدارات الضريبية لكشف الدخول التى لا يتم الإفصاح عنها. ويتم ذلك من خلال المراجعة الضريبية المكثفة لعينة من الممولين الذين قدموا إقراراتهم الضريبية للتأكد من مدى صحة هذه الإقرارات. ويفترض فى هذه الحالة أن يقوم الممول بصورة تطوعية ( بالطبع تحت وطأة التهديد القانونى من أن يقع فريسة قوانين التهرب الضريبى ) بالكشف عن كافة مصادر دخله. ويقوم هذا الأسلوب على أساس اختيار عينة عشوائية من دافعى الضرائب فى المجتمع ثم إخضاع أعمال هؤلاء للفحص الدقيق والمراجعة فى محاولة لاكتشاف نسبة التهرب الضريبى ثم تعميم هذه النتائج على المستوى القومى.


    ويتميز هذا الأسلوب فى انه يعطى تقريبا دقيقا لكمية الدخل التى يتم إخفاؤها من قبل الممولين. على سبيل المثال يشير Greenfield [ 1993 ] الى أن عمليات المراجعة الدورية لعينة من 50000 شخص من دافعى الضرائب فى الولايات المتحدة ، والتى تمت من جانب إدارة الضرائب فى الولايات المتحدة الأمريكية IRS أوضحت أن عمليات إخفاء المستوى الحقيقى للدخل ترتفع بالنسبة لبعض الفئات الى مستويات خطيرة قد تصل الى 60 %. كذلك يذكر Hansson ( 1980 ) أن هناك نسبة تتراوح ما بين 8% - 15% من الدخول المعلنة لا يتم الكشف عنها فى حالة السويد.


    على أن هذا الأسلوب يعانى من عدة عيوب منها العيوب المصاحبة لعملية المعاينة Samplling بصفة عامة. كذلك فان بعض أشكال الدخل يصعب قياسها أو اكتشافها. مثال ذلك أنشطة التهريب السلعى وتهريب المخدرات وغيرها. وهكذا فان هذا المدخل لا يسمح بتقدير الحجم الكامل للدخول المخفاة بالنسبة لبعض القطاعات أو المجموعات والتى ترتفع بينها درجة التهرب الضريبى. ولهذا السبب فانه من الأمور المشكوك فيها أن يؤدى هذا الأسلوب الى إعطاء معلومات كافية عن مستوى واتجاه الاقتصاد الخفى. وأخيرا فان تقديرات الاقتصاد الخفى يمكن أن تتأثر بسهولة بالتغيرات التى تحدث فى أساليب كشف التهرب الضريبى وهيكل الضريبة وكذلك التشريعات الضريبية.


    4/3 - مدخل سوق العمل.


    ينعكس تصاعد أهمية الاقتصاد الخفى فى شكل انخفاض معدلات مشاركة قوة العمل Participation Rates ، بالمقارنة بتلك الخاصة بالفترات أو الدول التى تقل فيها أهمية الاقتصاد الخفى. وبالتالى فان الفرق بين معدلات المشاركة الفعلية وتلك المسجلة بشكل رسمى قد تمكن من تقدير حجم العمالة غير المنتظمة Irregular Labour Force وبالتالى حجم الاقتصاد الخفى.


    ويقوم هذا المدخل على أساس استخدام المسوحات Surveys التى تتم على مشاركة قوة العمل Labour Force Participation والتى تكشف عن أن كثيرا من الناس يشاركون فى الأنشطة الاقتصادية أكثر مما ينشر بواسطة الإحصاءات الرسمية. ومن خلال مقارنة معدلات المساهمة فى بداية الفترة قبل انخفاض معدلات المساهمة وفترة المقارنة يمكن اشتقاق الحجم النسبى لقوة العمل غير المنظمة. وبوضع بعض الفروض حول إنتاجية العامل فى كل من الاقتصاد الرسمى والخفى يمكن تقدير حجم الاقتصاد الخفى. ولقد تم استخدام هذا الأسلوب بصفة أساسية بالنسبة لإيطاليا. على سبيل المثال فان معهد DOXA-ISFOL قدر معدلات المساهمة الفعلية لقوى العمل فى إيطاليا عام 1975 ب 39.5 % أى حوالى 4 % أعلى من المعدل الرسمى والذى يساوى 35.5 %. ومعنى هذه الأرقام أن هناك حوالى 10 % من قوة العمل تعمل فى الاقتصاد الخفى لإيطاليا عام 1975. أما فى عام 1977 فقد قدر معهد ISTAT فى إيطاليا تلك النسبة ب 13 % بينما قدرها معهد CRES بحوالى 25 % وذلك أخذا فى الاعتبار الأفراد الذين يمارسون أكثر من عمل ، وهو ما يعنى أن حجم الاقتصاد الخفى وفقا لهذا التقدير يتراوح بين 25 % الى 33 %. ( انظر Frey & Ponnerehne ( 1982 ) ).


    على أن التركيز على الآثار التى يتركها الاقتصاد الخفى على سوق العمل له عدة مزايا من أهمها كشف الدخول غير النقدية أو التى تتم من خلال عمليات المقايضة. إلا أن المشكلة الأساسية هى أن عملية شراء خدمات العمل غير المنظم أقل خطورة وأقل احتمالا للتعرض للعقاب القانونى بالمقارنة بعرض خدمات العمل فى الاقتصاد الخفى. ومن ثم فانه من المحتمل أن نحصل على إجابات متحيزة. حيث ترتفع معدلات الإجابة بين جانب الطلب على العمل غير المنظم ، وتقل بين جانب العرض للعمل غير المنظم فى الاقتصاد الخفى. كذلك فان عملية مقارنة معدلات المساهمة تعد أسلوبا من الأساليب غير المتعمقة. فاشتقاق حجم الاقتصاد الخفى من هذه التقديرات يعتمد على مدى صحة الفروض الموضوعة حول إنتاجية العامل فى كل من القطاعين الرسمى وغير الرسمى. وهو ما قدي يؤدى الى تقديرات مرتفعة لحجم الاقتصاد الخفى إذا ما افترضنا أن الإنتاجية فى الاقتصاد الرسمى والخفى واحدة.




    4/4 - المداخل النقدية.


    يعد المدخل النقدى أكثر المداخل التى استخدمت فى تقدير حجم الاقتصاد الخفى كما أنه أكثرها عرضة للانتقاد فى ذات الوقت. ويقوم هذا المدخل على افتراض أساسى مفاده أن معاملات الاقتصاد الخفى تتم أساسا باستخدام النقود السائلة Cash وذلك فى محاولة من جانب المتعاملين فى هذا الاقتصاد لإخفاء معاملاتهم ، والتى يمكن أن يتم اكتشافها إذا تمت هذه المعاملات بوسائل دفع أخرى مثل الشيكات. ومن ثم يفترض أن كبر حجم الاقتصاد الخفى لابد وأن ينعكس فى شكل ارتفاع مستوى الطلب على النقود السائلة. إن هذا الافتراض يجد من الناحية الواقعية ما يؤيده. على سبيل المثال فان كافة القضايا التى تم ضبطها داخل مصر والمتعلقة بالاتجار فى المخدرات أو العملة أو القمار ... الخ، كانت مصحوبة بضبط أو مصادرة كميات كبيرة من النقود السائلة.


    لقد دعى هذا الافتراض المنطقى المهتمين بمجال الاقتصاد الخفى الى إجراء العديد من الدراسات على الطلب على النقود ، فى محاولة لتقدير حجم الاقتصاد الخفى. ولقد تمثل التساؤل الأساسي الذى تحاول هذه الدراسات الإجابة عليه فى الآتى ، " ما هى كمية النقود التى يمكن تداولها فى الاقتصاد إذا لم يكن هناك اقتصادا تحتيا ؟ ". فإذا تم التوصل الى ذلك فان الفرق بين الطلب على النقود فى الاقتصاد ككل والطلب على النقود اللازم لتمويل المعاملات التى يمكن أن تتم فى ظل غياب الاقتصاد الخفى يمثل كمية النقود اللازمة لتمويل معاملات الاقتصاد الخفى. ومن ثم تأتى الخطوة التالية وهى محاولة تقدير كمية المبادلات التى تتم فى مقابل كل جنية فى الاقتصاد الخفى. أو بمعنى آخر محاولة قياس سرعة تداول النقود فى الاقتصاد الخفى ، والتى من خلالها يمكن تقدير حجم الاقتصاد الخفى. ويحتاج تقدير سرعة تداول النقود فى الاقتصاد الرسمى الى البحث عن فترة زمنية يفترض انه لم يكن هناك خلالها اقتصادا تحتيا ، أو كان حجمه ضئيلا بالشكل الذى يمكن تجاهله. ثم وضع بعض الفروض حول كيفية تغير الطلب على النقود خلال الفترة الزمنية التى تفصل بين الفترة التى يفترض عدم وجود الاقتصاد الخفى خلالها وفترة الدراسة. وفيما يلى نتناول هذه الأساليب النقدية بالتفصيل.


    4/4/1 - أسلوب معدل النقود السائلة الى الودائع تحت الطلب Cash/Demand Deposits.


    يعدGutmann ( 1977 ) هو أول من استخدم هذا الأسلوب فى تقدير حجم الاقتصاد الخفى فى الولايات المتحدة. ويقوم هذا الأسلوب على أساس افتراض أ ن معاملات الاقتصاد الرسمى يتم جانب منها باستخدام النقود والجانب الآخر باستخدام الحسابات الجارية ، وأن النسبة بين هذين المكونين للنقود ثابتة. أما معاملات الاقتصاد الخفى فيتم تمويلها أساسا باستخدام النقود السائلة. وعلى ذلك فان التغيرات الحادثة فى معدل النشاط الذى يتم فى الاقتصاد الخفى الى الأنشطة التى تتم فى الاقتصاد الرسمى يمكن حسابها من خلال التغيرات التى تطرأ على معدل النقود السائلة الى المودعات تحت الطلب. ولقد افترضGutmann ( 1977 ) فى دراسته الآتى:


    - أن الفترة من 1937 - 1941 لم يكن يوجد خلالها اقتصاد خفى فى الولايات المتحدة. ومن ثم فقد اتخذها كفترة أساس. ولقد قدر معدل النقود السائلة الى الودائع تحت الطلب فى فترة الأساس هذه على أنها تساوى 21.7 %. ثم افترض أن هذا المعدل للنقود السائلة Cash الى الودائع تحت الطلب هو المعدل العادى أو الطبيعى.


    - أن معدل النقود السائلة الى الودائع تحت الطلب ثابتا ، ومن ثم فان أى زيادة فى هذا المعدل لابد وأن تعكس زيادة فى الطلب على النقود السائلة لتمويل المعاملات التى تتم فى الاقتصاد الخفى.


    - أن سرعة تداول النقود فى كل من الاقتصاد الخفى والاقتصاد الرسمى واحدة.


    واعتمادا على هذه الفروض استطاع Gtumann تحويل الزيادة فى النقود السائلة ( الفرق بين معدل النقود السائلة / الودائع تحت الطلب فى فترة الأساس ومعدل النقود السائلة / الودائع تحت الطلب فى فترة المقارنة ) الى معاملات من خلال استخدام سرعة التداول للنقود المقدرة فى الاقتصاد الرسمى وذلك وصولا لتقدير حجم المعاملات التى تتم فى الاقتصاد الخفى. ولقد توصل Gutmann ( 1977 ) الى النتيجة المعروفة بأن الاقتصاد الخفى يمثل 10% على الأقل من الناتج القومى فى الولايات المتحدة فى عام 1976. ولقد تمت نفس المحاولة على استراليا مع الفارق فى افتراض أن معدل النقود السائلة الى الودائع تحت الطلب فى فترة الأساس تساوى 30 % ، وأيضا تم التوصل الى تقدير لحجم الاقتصاد الخفى فى استراليا يصل الى حوالى 10% من الناتج القومى الاجمالى.


    وتتمثل الميزة الاساسية فى أسلوب Gutmann هى أن هذا الأسلوب يسمح لنا بتقدير سلسلة زمنية حول حجم النشاط الاقتصادى فى الاقتصاد الخفى. إلا أن هذا الأسلوب تعرض للانتقادات الآتية:


    - أن تقدير حجم المبادلات فى الاقتصاد الخفى يقوم على أساس افتراض أن سرعة تداول النقود واحدة فى كل من الاقتصاد الخفى والاقتصاد الشرعى ، على سبيل المثال يشير Greenfield [ 1993 ] إلى أن هناك احتمال أن تكون سرعة تداول النقود فى الاقتصاد الخفى أقل من تلك الخاصة بالاقتصاد الشرعى.


    - أن اختيار Gutmann لفترة الأساس حيث لا يوجد اقتصاد خفى لم يكن موفقا. إذ أن ذلك يخالف ما يمكن أن يتوقعه الفرد عن فترات الحرب ، حيث تنتشر عمليات الرقابة على الأسعار وارتفاع مستويات الضريبة ومن ثم الأسواق السوداء.


    - توصلت بعض الدراسات الى أن معدل النقود السائلة الى الودائع لأجلTime Deposits انخفضت بشكل مستمر فى الولايات المتحدة ، وبالتالى فقد ارجع البعض الزيادة فى معدل النقود السائلة / الودائع تحت الطلب الى تزايد الودائع تحت الطلب بصورة بطيئة. أى أنه إذا ما تمت إعادة حساب المعدل السابق على أساس نسبة النقود السائلة الى إجمالى الودائع ( تحت الطلب ولأجل ) فأننا سنجد أن معدل النقود السائلة الى الودائع سوف ينخفض بصورة واضحة.


    - ادعى البعض أنه إذا تم تعديل النقود السائلة والودائع تحت الطلب بالتغيرات فى عدد مرات استخدامها فان نسبة النقود السائلة الى الودائع تحت الطلب لا تزيد بل تنخفض.


    - يرى البعض بأن الزيادة فى النقود السائلة قد ترجع أساسا الى التغيرات الحادثة فى الدخل والاستهلاك ومعدلات الفائدة وليس الى نمو الاقتصاد الخفى.


    - أن هناك كمية غير معلومة من الدولارات التى يتم تداولها خارج حدود الولايات المتحدة الأمريكية ولا يمكن الادعاء بأنها متاحة للاستخدام المحلى ، ومن ثم فان نسبة النقود السائلة الى الودائع تحت الطلب من الناحية الحقيقية أقل من تلك النسبة التى استخدمها Gutmann.


    - أن الابتكارات فى مجال الودائع النقدية Monetary Innovations فى البنوك مثال ذلك عمليات التحويل الاوتوماتيكى Automatic Transfers من الودائع تحت الطلب الى حسابات الادخار وحسابات NOW وحسابات Super NOW قد أثارت التساؤلات حول مدى دقة بعض المقارنات التى تتم عبر الزمن لبعض الحسابات مثل نسبة الودائع تحت الطلب الى الناتج القومى الإجمالى ، لأن الفجوة بين الودائع تحت الطلب والودائع لأجل تأخذ فى التلاشى بإدخال هذه الابتكارات الجديدة فى مجال التعامل النقدى.


    - أن افتراض أن كافة النقود المصدرة يتم استخدامها فى التداول قد يتنافى مع الواقع ، إذ أن جانبا من النقود التى يتم إصدارها من جانب البنك المركزى قد تتعرض للضياع أو التلف أو يتم الاحتفاظ بها فى صورة تذكارية ... الخ. وقد يؤدى ذلك الى التأثير بصورة جوهرية على تقديرات حجم الاقتصاد الخفى إذا ما كانت نسبة هذه النقود كبيرة.


    - يرى Tanzi ( 1982b ) أن متوسط نصيب الفرد من النقود السائلة Currency Per Capita قد يكون متزايدا من الناحية الاسمية بصورة سريعة ، أما عندما ننظر الى هذه الزيادة من الناحية الحقيقية - بأخذ التغيرات الحادثة فى الأسعار فى الاعتبار - فان الزيادة تصبح متواضعة. ويدلل على ذلك بأن متوسط كمية النقود السائلة للفرد فى الولايات المتحدة من الناحية الحقيقية عام 1980 يقل بنسبة 55% عن تلك النسبة فى عام 1945. كذلك فانه ربما تتأثر نسبة النقود السائلة الى عرض النقود بسبب التغير فى أساليب الدفع مثل التحول من استخدام النقود السائلة فى دفع الأجور الى استخدام الشيكات.


    - وأخيرا فأنه رغم منطقية الافتراض بأن النقود السائلة هى الوسيلة المستخدمة لتمويل معاملات الاقتصاد الخفى ، إلا أنه لا يوجد هناك ما يمنع من استخدام الأساليب الأخرى فى تسوية هذه المعاملات. ولقد أدى الوعى بهذه الإمكانية الى تطوير أساليب نقدية أخرى لتقدير حجم الاقتصاد الخفى مثال ذلك ما قام به Feige عندما استخدم أسلوب المبادلات Transactions Method والذى يقوم أساسا على معادلة فيشر.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    2-Aug-2001
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    7,336
    4/4/2 - أسلوب المبادلات Transactions Method.


    يستند الأسلوب الثانى لتقدير حجم للاقتصاد الخفى الى Fiege ( 1979 ) والذى استخدمه فى دراسة له عن الولايات المتحدة الأمريكية. ويقوم هذا الأسلوب على أساس افتراض أن كل المبادلات التى تتم سواء فى الاقتصاد الخفى أو الاقتصاد الرسمى لابد وأن تتم باستخدام النقود ( بمعنى آخر فان هذا المدخل يقوم على أساس افتراض أنه لا مجال لعمليات المقايضة فى الاقتصاد الخفى ). كذلك فقد افترض أن العلاقة بين النقود والمبادلات علاقة ثابتة. وبما أنه من الممكن قياس الحجم الكلى للنقود ( سواء النقود السائلة أو الودائع تحت الطلب ) فانه من الممكن اشتقاق حجم الناتج القومى الإجمالى باستخدام الأساليب النقدية ثم خصم حجم الناتج القومى الاجمالى للاقتصاد الخفى من هذا الاجمالى لنحصل على تقدير حجم الاقتصاد الخفى. وكما هو واضح فان هذا الأسلوب مشتق من معادلة فيشر لكمية النقود والتى تأخذ الشكل الآتى:


    MV = PT.

    حيث:

    V = سرعة التداول للمعاملات. p = المستوى العام للأسعار.T = حجم المبادلات. M = الرصيد النقدى المتاح ( النقود السائلة والودائع تحت الطلب ).


    فإذا ما عملنا M و V فانه من الممكن أن نقوم حساب PT ( القيمة النقدية للمعاملات ). ذلك أنه إذا كانت نسبة القيمة النقدية للمعاملات PT الى القيمة الأسمية للناتج القومى الاجمالى معلومة ، فانه بافتراض أن هذه النسبة ثابتة فانه من الممكن تقدير مستوى الناتج القومى الاجمالى فى أى سنة إذا ما علمنا القيمة النقدية للمعاملات .PT وفى ظل غياب الاقتصاد الخفى فان القيمة الاسمية للناتج القومى الاجمالى التى يتم تقديرها لابد وأن تساوى القيمة الاسمية للناتج القومى الاجمالى التى تم حسابها وفقا لبيانات الحسابات القومية.


    ولقد افترض Fiege ( 1979 ) أن عام 1939 تمثل سنة أساس فى الولايات المتحدة ، أى انه لا يوجد اقتصاد خفى خلال هذه السنة. كما افتراض أن نسبة قيمة المبادلات PT الى القيمة الاسمية للناتج القومى الاجمالى خلال هذه السنة تعد طبيعية ( حوالى 10.3 حسب تقديرات Fiege ( 1979 ) ). ثم قام Fiege بحساب القيمة النقدية للمعاملات لعامى 1976 و 1978. ومن خلال قسمة هذه القيم على معدل القيمة النقدية للمعاملات/ القيمة الاسمية للناتج القومى الاجمالى والمحسوب لعام 1939 توصل Fiege لتقدير القيمة الاسمية الناتج القومى الاجمالى لعامى 1976 و 1977. أما الفرق بين القيمة المقدرة للناتج القومى الاجمالى والقيمة الفعلية المسجلة للناتج القومى الاجمالى حسب الإحصاءات القومية للناتج فقد نظر إليه Fiege على أنه يمثل تقديرا لمستوى الاقتصاد الخفى. ووفقا لحسابات Fiege فان الاقتصاد الخفى تصل نسبته ما بين 13.2% الى 21.7% عام 1976 وما بين 25.5 % الى 33.1 % من القيمة المسجلة للناتج القومى الاجمالى عام 1977. وعندما تم تطبيق أسلوب المبادلات على الفترة من 1939 - 1968 توصل Fiege الى نتائج سالبة لحجم الاقتصاد الخفى. وكذلك فقد لاحظ أن حجم الاقتصاد الخفى يتناقص خلال فترة الحرب العالمية الثانية. ولذلك قام Fiege بتعديل مدخل المبادلات بطرق عدة ، وبصفة خاصة قام بتقديم تقديرات جديدة لسرعة تداول النقود على أساس متوسط العمر الزمنى للعملة الورقية. أما التقدير المعدل فقد أوضح زيادة كبيرة فى حجم الاقتصاد الخفى خلال فترة الحرب العالمية الثانية ثم انخفض حتى عام 1968 ، ثم أخذ الاتجاه العام فى التزايد بشكل مستمر فيما بعد. أما التقدير الذى توصل لحجم الاقتصاد الخفى فيبلغ حوالى 27%.


    وفى عام 1980 قام Fiege بتطبيق نفس الأسلوب على الولايات المتحدة مع إجراء أربعة تغييرات أساسية. فقد تم تحويل فترة الأساس الى 964 . كذلك اخذ الاقتصاد الخفى على أنه يمثل 5% من الناتج القومى الاجمالى فى هذه السنة. وتم افتراض أن ثلثى المعاملات تتم بالنقد السائل وأن الثلث الباقى من المعاملات يتم باستخدام الودائع تحت الطلب ( شيكات أو بطاقات ائتمانية ). وأخيرا فقد افترض أن الدخل المولد لكل دولار فى الاقتصاد الخفى يزيد بنسبة 10 % عن الدخل المولد لكل دولار فى الاقتصاد الرسمى. وباستخدام هذه الفروض توصل Fiege الى أن الاقتصاد الخفى فى الولايات المتحدة الأمريكية يمثل 28% من الناتج القومى الاجمالى فى عام 1979 ، وهى نتائج تتوافق مع النتائج التى توصل إليها مسبقا.


    ويعاب على هذا الأسلوب أنه حساس جدا لاختيار فترة الأساس وكذلك الفروض الموضوعة حول سرعة تداول النقود فى الاقتصاد الخفى. إن الدراسات التى تناولت هذا المدخل لتقدير حجم الاقتصاد الخفى افترضت أن سرعة تداول النقود فى الاقتصادي الخفى والرسمى واحدة. ومما لاشك فيه أن تغيير سرعة تداول النقود فى الاقتصاد الخفى سوف ينجم عنه تقديرا مختلفا لحجم الاقتصاد الخفى.


    4/4/3 - أسلوب الوحدات النقدية ذات القيم المرتفعة Large Denominations.


    يقوم هذا الأسلوب على أساس افتراض انه عندما يتزايد حجم الاقتصاد الخفى فان الحاجة الى النقود السائلة تتزايد. وبالتالى من المتوقع زيادة نسبة الأوراق ذات الفئات النقدية المرتفعة لتسهيل علمية تسوية المعاملات فى الاقتصاد الخفى. على سبيل المثال فى الولايات المتحدة زادت نسبة التعامل فى الورقة النقدية فئة الـ 100 دولار بأكثر من 250 % فيما بين عام 1966 الى عام 1978 فى الوقت الذى زادت فيه القيمة الإجمالية للنقد المصدر بحوالى 125 %. أما فى المملكة المتحدة فقد ارتفع معدل الوحدات النقدية من فئة 10 و 20 جنيها من 7% عام 1967 الى 47.5% عام 1979 ( انظر Frey & pommerehne ( 1982 ) ). ويقوم هذا الأسلوب على أساس اشتقاق حجم الاقتصاد الخفى من خلال نسبة الوحدات النقدية ذات الفئات المرتفعة الى باقى الفئات.

    ولقد تعرض هذا الأسلوب أيضا للنقد على أساس أنه من الصعب أن نعزو ارتفاع معدل وحدات النقود ذات الفئات النقدية المرتفعة الى وجود الاقتصاد الخفى. ذلك أن محاولة اشتقاق حجم الاقتصاد الخفى من خلال نسبة الوحدات ذات القيم النقدية المرتفعة يواجه مشكلة كبيرة وهى أن جانبا كبيرا من الحاجة الى إصدار هذه الوحدات قد يعود بالدرجة الأولى الى عوامل ليس لها علاقة بالاقتصاد الخفى مثل التضخم أو التدهور المستمر فى القوة الشرائية للعملة الى الدرجة التى تجعل عملية إبراء المعاملات باستخدام الوحدات النقدية ذات القيم النقدية الصغيرة مشكلة كبيرة بالنسبة للمتعاملين. كذلك قد يرجع جانبا كبيرا من الزيادة فى النقود ذات الفئات النقدية المرتفعة الى زيادة مستوى الأجور والادخار من الدخول القانونية حيث تبرز الحاجة الى وحدات نقدية ذات فئات أعلى.


    إن الأساليب الثلاثة التى تم اقتراحها لتقدير حجم الاقتصاد الخفى من خلال المدخل النقدى تعانى من نقص أساسى وهو أن التغيرات فى المعدلات النقدية تعزى فقط للتغير فى حجم الاقتصاد الخفى. ومثل هذا المدخل يعد معقولا فى حالة واحدة وهى غياب تأثير أى عوامل أخرى على هذه المعدلات. إلا أنه من المعلوم وفقا للنظرية الاقتصادية أن المعدلات النقدية المستخدمة لحساب حجم الاقتصاد الخفى عرضة لعدد كبير من العوامل منها:


    أ - آثار الأسعار النسبية relative price effects الناتجة عن التغيرات فى تكلفة الاحتفاظ بالنقود السائلةCurrency والنقود بشكل عام Money ، أى التغير فى معدلات الفائدة ومعدلات التضخم ودرجة المخاطرة المرتبطة بالاحتفاظ بالنقود فى شكل سائل.


    ب - آثار الدخل Income Effects .


    ج - التغيرات فى الترتيبات المؤسسية Institutional Arrangements ، وبصفة خاصة الاستخدام المتزايد للشيكات والبطاقات الائتمانية.


    د - التغيرات فى الأذواق والمتعلقة باستخدام النقود السائلة أو باقى أشكال النقود.


    ولقد أشار العديد من الباحثين الى أن هناك حاجة الى التحكم فى هذه الآثار بهدف التأكد من أن تغيرات فى عرض النقود ترجع الى التغيرات الحادثة فى الاقتصاد الخفى.


    5 - التهرب الضريبة والطلب على النقود: أسلوب Tanzi.


    انتقد Tanzi ( 1982a ) أسلوب Gutmann بأنه يقوم على مجموعة من الفروض التى لا يمكن قبولها ، بصفة خاصة الفرض القائم على أساس أن معدل النقود السائلة الى الودائع تحت الطلب يتأثر فقط بالتغيرات فى حجم الاقتصاد الخفى. ولذلك فقد حاول Tanzi تقدير حجم الاقتصاد الخفى من خلال تقدير دالة طلب على النقود السائلة فى الولايات المتحدة خلال الفترة من 1929 - 1976 وتوصل الى أن معدل الضريبة ذو أثر معنوى موجب على الكمية التى يحتفظ بها الأفراد من النقود السائلة.


    لقد قامت افتراضات Tanzi على أنه إذا كانت معاملات الاقتصاد الخفى تتم باستخدام النقود السائلة فقط ، وأن الاقتصاد الخفى ينشأ بسبب الرغبة فى التهرب الضريبى فان تغيير معدل الضريبة فى النموذج لابد وأن يعطى تقديرا لكمية النقود السائلة المرتبطة بوجود الاقتصاد الخفى. وبالتالى يمكن استخدام هذا الرقم فى تقدير حجم الناتج القومى الاجمالى فى الاقتصاد الخفى بافتراض تساوى سرعات التداول فى الاقتصاد الرسمى والاقتصاد الخفى.


    على أن Tanzi قام بفحص العلاقة بين الطلب على النقود السائلة ومستوى الضرائب بصورة أكثر عمقا وذلك من خلال استخدام نسبة النقود السائلة الى عرض النقود M2. ولقد افترض Tanzi أن هذا المعدل يتأثر بمجموعتين من العوامل هما العوامل القانونية والعوامل غير القانونية.


    ولقد حصرTanzi العوامل القانونية فى ؛ استخدام البطاقات الائتمانية ومتوسط الإنفاق على الانتقال للفرد ودرجة التحضر ودرجة انتشار فروع البنوك التجارية فى أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية. ولما كان من الصعب الحصول على سلاسل زمنية فعلية لهذه المتغيرات فقد قام Tanzi باستخدام متوسط نصيب الفرد من الدخل الحقيقى ( المقاس والدائم ) كمقرب Proxy لهذه العوامل. حيث يفترض أنه مع زيادة متوسط نصيب الفرد من الدخل فان ذلك يؤدى الى انخفاض معدل النقود السائلة الى اجمالى الطلب على النقود. ثم استخدم Tanzi معدل الأجور والمرتبات الى الدخل الشخصى كمقرب لمتغير مكونات الدخل ، حيث افترض أنه كلما زاد هذا المعدل كلما زاد معدل النقود السائلة الى اجمالى الطلب على النقود. كذلك استخدم Tanzi معدل الفائدة على الودائع لأجل كمقرب لتكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالنقود السائلة.


    أما فى تحليله للعوامل غير القانونية Illegal factors فقد أشارTanzi الى أنه حتى مع افتراض عدم وجود ضرائب ، فان معدل النقود السائلة يمكن أن يتأثر بالأنشطة الإجرامية. مثال ذلك الأنشطة المرتبطة بالقمار وعمليات التهريب السلعى Smuggling وتوزيع المخدرات وغيرها ، والتى تتم غالبا باستخدام النقود السائلة. حيث تؤدى زيادة هذه الأنشطة الى زيادة نسبة النقود السائلة. ولما كانت البيانات عن هذه المتغيرات غير متاحة أيضا فقد لجأ Tanzi الى قياس أثر التهرب الضريبى على معدل النقود السائلة وهى النقطة التى تناولها Tanzi بإسهاب.


    لقد حصرTanzi العوامل المؤثرة على التهرب الضريبى فى مدى الشعور بعدالة قوانين الضريبة ، ومدى رضاء دافعى الضرائب عن الحكومة ، والخصائص الدينية والثقافية الأساسية لدافعى الضرائب ، ومدى صرامة وحدة العقوبات المطبقة على المتهربين من الضرائب الذين يتم القبض عليهم والأساليب التى يمكن من خلالها التهرب من الضرائب ، وأخيرا العائد النقدي لدافعى الضرائب والناتج عن عدم دفع الضريبة. وبما أن البيانات عن هذه المتغيرات غير متوافرة فقد اقتصر تحليل Tanzi على تحليل أثر العائد النقدى الناتج من عدم دفع الضريبة على التهرب الضريبى حيث استخدم مستوى العبئ الضريبى القانونى كمقرب لهذا المتغير. فعندما ينخفض العبئ الضريبى فان العائد النقدى من عملية التهرب الضريبى يصبح ضعيفا ومن ثم تصبح تكلفة فضيلة الأمانة لدى دافع الضريبة عند التعامل مع السلطات الضريبية صغيرة. وعندما ترتفع مستويات العبئ الضريبى فان العائد من التهرب الضريبى يرتفع بالتبعية ، ومن ثم تصبح الأمانة فى التعامل مع السلطات الضريبية فضيلة ذات تكلفة مرتفعة بالنسبة للممول.


    ومن خلال قياس درجة حساسية الطلب على النقود السائلة لمستوى الضرائب قام Tanzi بتقدير كمية النقود السائلة التى يتم الاحتفاظ بها لأغراض تمويل المعاملات فى الاقتصاد الخفى. ثم استخدم تقدير النقود السائلة المستخدمة فى تمويل معاملات الاقتصاد الخفى فى تقدير حجم الاقتصاد الخفى وكذلك مستوى التهرب الضريبى. ولقد لاحظ Tanzi بأن التقديرات التى توصل إليها تقل عن الكميات التى يحتفظ بها الأفراد فعلا ، مما يعنى أن الفرق بين كمية الطلب على النقود المقدر والطلب الفعلى يرجع الى النقود غير القانونية التى تستخدم فى اجراء المعاملات فى الاقتصاد الخفى. وبافتراض أن سرعة تداول النقود فى الاقتصاد الخفى هى نفس سرعة التداول لعرض النقود رقم 1 [ M1 ] فى الاقتصاد الرسمى توصل Tanzi الى تقدير لحجم الاقتصاد الخفى فى الولايات المتحدة بأنه يساوى ما بين 3.4 % - 5.1 % من الناتج القومى الاجمالى ، أخذا فى الاعتبار الزيادة التى حدثت فى الضريبة خلال فترة التقدير. و ما بين 8.1 % - 11.7 % من الناتج القومى إذا قارنا مستوى الضرائب فى عام 1976 بحالة عدم وجود ضريبة على الإطلاق.

    ولقد تمت محاولات أخرى لإدخال بعض العناصر الأخرى مثل النظم القانونية أو القواعد المنظمةRegulations . وتتراوح تقديرات حجم الاقتصاد الخفى باستخدام هذا الأسلوب ما بين 8 % الى 30 % بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية ، وما بين 7 % الى 17 % فى السويد ، وما بين 6.5 % الى 16 % فى النرويج.



    على أن العلاقة بين التهرب الضريبى والطلب على النقود السائلة كما أشار Tanzi ليست مباشرة بهذه الصورة التى يوحى بها تحليل Tanzi للعلاقة بين الطلب على النقود السائلة والتهرب الضريبى. ذلك أن أصحاب الأعمال وفقا للقانون تحت التزام باقتطاع الضريبة على أجور ومرتبات العمال والموظفين لديهم وتحويلها الى السلطات الضريبية. ومن الممكن أن يحدث نوع من الاتفاق بين أصحاب الأعمال والمستخدمين على عدم دفع الضريبة. كذلك قد يحدث اتفاق بين الموردين وعملائهم على عدم تسجيل المعاملات بهدف عدم دفع الضرائب المستحقة على السلع المختلفة الأمر الذى يستفيد منه كلا الطرفين.


    5 - الآثار السلبية للاقتصاد الخفى.


    إن الاقتصاد الخفى ظاهرة ذات أبعاد متعددة بشكل بالغ التعقيد. كذلك فان حجمها وأسبابها وخصائصها والنتائج المترتبة عليها لم تفهم بعد بالكامل. أن وجود الاقتصاد الخفى لا يؤدى الى تشويه بيانات الناتج القومى الاجمالى فقط ، وإنما يؤثر على معلوماتنا حول معظم جوانب النشاط الاقتصادى مثل مستويات التشغيل والبطالة وأنماط توزيع الدخل ومستويات الادخار الحقيقى فى المجتمع.. الخ. وفيما يلى نتناول هذه الآثار بالتفصيل.


    5/1 - فقدان حصيلة الضرائب.


    إن أول وأهم الآثار السلبية المترتبة على وجود الاقتصاد الخفى هى أن جانبا من الدخل الذى يتم توليده داخل الاقتصاد لا يدفع عنه ضرائب. ويحدث ذلك عندما لا يقوم الأفراد بالكشف عن دخولهم أو طبيعة وظائفهم التى يقومون بها أو كلاهما للسلطات الضريبية. كذلك فان هناك بعض أشكال الضرائب مثل ضريبة القيمة المضافة وضريبة المبيعات لا يتم تحصيلها نتيجة التهرب الضريبى. وعندما يصبح حجم الاقتصاد الخفى جوهريا فانه يؤدى الى فقد جوهرى فى الإيرادات العامة. ويترتب على الفقد فى الإيرادات الناتج عن التهرب الضريبى زيادة مستويات الضرائب على الأنشطة التى تتم فى الاقتصاد الرسمى ، بمعنى أن معدلات الضرائب التى يتم جمعها على الدخول المسجلة تصبح أكبر من اللازم. كذلك فان الإيرادات الحكومية ستكون أقل من القدر الذى يجب أن تكون عليه ، ومن ثم يصبح عجز الموازنة العامة للدولة أكبر مما يجب. وبهذا الشكل يصبح النظام الضريبى القائم على الضرائب على الدخل فى ظل وجود حجم كبير للاقتصاد الخفى غير عادل الأمر الذى يولد ضغوطا أكبر نحو ***ى نظم للضرائب غير المباشرة. كذلك فان هناك مخاطرة من أن انتشار عملية التهرب الضريبى سوف تدفع الآخرين على التهرب الضريبى.


    لقد قدرت إدارة الضرائب IRS فى الولايات المتحدة مستوى الخسارة الناتج عن التهرب الضريبى بسبب وجود الاقتصاد الخفى بحوالى 40 - 42 مليار دولار عام 1976. أما فى عام 1981 فقد قدرت خسارة الضريبة على الدخل الناتجة عن وجود الاقتصاد الخفى ما بين 86 - 90 مليار دولار ، وهو ما يعنى أن خسارة الضريبة على الدخل الناتجة عن وجود الاقتصاد الخفى تمثل 30% تقريبا من اجمالى حصيلة الضرائب على الدخل.


    5/2 - الأثر على سياسات الاستقرار الاقتصادى.


    إن النمو السريع الاقتصاد الخفى قد يؤدى الى فشل سياسات الاستقرار الاقتصادى ، حيث يؤدى هذا الأجانب من الاقتصاد الى تشويه المؤشرات الخاصة بسياسة الاستقرار الاقتصادى. ومن ثم فان هناك احتمال أن يقع صانع السياسة فى خطر وصف طرق علاج غير صحيحة بسبب تشخيص غير سليم للمشكلة. فنمو الاقتصاد الخفى ينتج عنه نوع من المغالاة فى المؤشرات الرسمية للتضخم والبطالة ومعدلات نمو الناتج. وبالتالى فان سياسة الاستقرار قد تستجيب لمشكلات غير واقعية. وإذا ما حاولت سياسة الاستقرار الاقتصادى اخذ إجراءات مضادة لمواجهة هذه المشكلات فان سياسة الاستقرار الاقتصادى سينشأ عنها إجراءات تحدث نوعا من عدم الاستقرار فى الاقتصاد الرسمى ، لدرجة أن المشكلات غير الحقيقية تصبح مشكلات حقيقية بمقتضاها يتحول الاقتصاد الخفى من خلال التضخم والبطالة الى اقتصاد ذو حجم أكبر.

    وفيما يلى نتناول بعض آثار هذا الاقتصاد على عملية صناعة وأداء السياسات الرامية لتحقيق الاستقرار الاقتصادى.


    5/2/1 - تشوه المعلومات.


    عندما يكون حجم الاقتصاد الخفى كبيرا فان درجة اعتمادية البيانات الرسمية ستنخفض وتكون المؤشرات الاقتصادية غير مناسبة لعملية صنع السياسة الاقتصادية. وعندما تكون الإحصائيات الاقتصادية متحيزة ، ويكون مستخدمى هذه الإحصائيات على غير علم بهذا التحيز ، فان الاقتصاديين يقومون بإجراء توقعات خاطئة وتقديم تحليل غير صحيح لصانعى السياسة ، والذين بدورهم يأخذون سياسات خاطئة للتعامل مع المشاكل المختلفة. وعندما تكون التوقعات معيبة والسياسات غير مناسبة ، فان النتائج تأتى على عكس المتوقع لها. ولذلك تنتشر بين الكثير من دول العالم ظاهرة تغيير الاقتصاديين عندما لا تتحقق النتائج المطلوبة من السياسات الاقتصادية. حيث يتم استبدالهم بآخرين يقومون بنفس الأخطاء. أو قد تتغير الحكومات ويأتى صانعو سياسة آخرون ، ولكنهم يفعلون نفس الخطأ وهكذا. فالعيب ليس عيب الاقتصاديين أو صانعى السياسة وانما الخطأ فى إغفال أثر هذا الجانب من الاقتصاد على حركة أداء الاقتصاد ككل ، وفعالية السياسات المرسومة فى تحقيق الأهداف التى تسعى إليها.


    ولان القرارات الاقتصادية المرتبطة بالسياسة تقوم أساسا على المؤشرات الاقتصادية الرسمية والتى لا تأخذ الاقتصاد الخفى فى الاعتبار فان كفاءتها يصبح مشكوكا فيها للاعتبارات الآتية:


    - إن الإحصاءات المتحيزة لا تسمح بالتقييم الصحيح للأداء الاقتصادى العام ، ومن ثم قد تؤدى الى تشخيص غير سليم لطبيعة المشكلات الاقتصادية التى يواجهها الاقتصاد.


    - إن المعلومات غير الكاملة ينتج عنها سياسات غير سليمة. فالمعلومات عن الأداء الاقتصادى الحقيقى قد تؤدى الى اتخاذ إجراءات مكثفة أكثر من اللازم أو العكس ، أو فى بعض الحالات الى سياسة مختلفة تماما عن السياسة المطلوب اتخاذها.


    - إن النتيجة الطبيعية للبيانات غير الصحيحة والسياسات غير المناسبة كما هو فى البندين أعلاه هى تطبيق سياسات غير مثلى Non-Optimal والتى سوف يترتب عليها آثار اقتصادية غير مناسبة. وبالتالى فان النتائج المترتبة على السياسة سوف تكون أقل مما هو مطلوب أو قد تكون النتائج معاكسة يعتمد ذلك على مستوى المسحوبات leakages بين الاقتصاد الرسمى والاقتصاد الخفى ومستوى أداءهما الاقتصادى.


    على سبيل المثال فان إحصاءات الناتج المحلى الاجمالى ومستوى التشغيل قد تشير الى أن الاقتصاد الرسمى يعانى من انحسار ، وأن الاقتصاد يعمل فى مستوى أقل من مستوى التوظف الكامل ، بينما من الناحية الواقعية قد يكون مستوى الناتج المحلى الاجمالى أكثر بكثير من المستوى المسجل ، وان مستوى البطالة الحقيقى أقل من ذلك المستوى المسجل. ويترتب على ارتفاع معدلات البطالة المسجلة اتخاذ إجراءات توسعية أكثر من اللازم ، لان جانبا من العمال المسجلين على انهم فى حالة بطالة يعملون فعلا فى الاقتصاد الخفى. ولاشك أن أثر السياسات التوسعية الأكثر من اللازم سوف يتمثل فى تغذية الضغوط التضخمية. فإذا ما كانت الأرقام القياسية لتكاليف المعيشة مغالى فيها وإذا كانت توقعات التضخم تقوم على أساس الأرقام القياسية - الغير حقيقية - للأسعار فان الآثار التضخمية سوف تتضاعف. وفى مثل هذه الحالة قد تكون السلطات النقدية مدفوعة الى استيعاب معدل أعلى للتضخم وذلك من خلال زيادة عرض النقود بمعدلات أعلى من تلك التى يجب أن تسود وفقا لمعدل التضخم الحقيقى. ومن شأن هذه السياسات فى مثل هذه الظروف أن تؤدى ليس الى رفع مستوى الناتج المحلى الاجمالى أو مستوى التشغيل ولكن الى رفع مستوى الأسعار.



    كذلك فان عدم وجود نمو اقتصادى مقاس فى الاقتصاد الرسمى قد يكون راجعا الى تركز النمو من الناحية الواقعية فى الاقتصاد الخفى. ولقد دفع ذلك الأمر البعض الى افتراض أن هناك بالضرورة علاقة عكسية بين دورات الاقتصاد الرسمى والاقتصاد الخفى. بمعنى آخر أن نمو الاقتصاد الخفى قد لا يكن موازيا لنمو الاقتصاد الرسمى ، وإنما قد يكون معاكسا له فى طبيعة الدورة الاقتصادية. فالاقتصاد الخفى ينمو عندما يكون الاقتصاد الرسمى فى حالة كساد والعكس. على سبيل المثال ادعى Fiege أن الكساد الذى ساد فى منتصف السبعينيات مع الارتفاع فى مستويات الأسعار ليس إلا نوع من الوهم الإحصائي المترتب على نمو الاقتصاد الخفى ، وانه حتى ولو كانت الحالة الاقتصادية قوية ، فان التحول من الاقتصاد الرسمى الى الاقتصاد الخفى سوف يترتب عليه بالتالى انخفاض فى الدخل الحقيقى - المسجل - وارتفاع معدلات البطالة وانخفاض مستويات الإنتاجية وارتفاع مستويات الأسعار.


    5/5/2 - معدلات البطالة.


    يعتبر معدل البطالة من الأمور الحيوية من الناحية السياسية ، ومن هنا فقد تبدو أهمية الاقتصاد الخفى فى قدرته على توفير فرص للعمل لهؤلاء الذين لم يفلحوا فى الحصول على فرصة عمل فى الاقتصاد الرسمى. وبما أن هذه العمالة عادة ما تكون غير مسجلة فان الأرقام الرسمية عن معدلات البطالة فى الاقتصاد تصبح مغالى فيها. على سبيل المثال فان هناك ادعاء بأن معدلات البطالة فى مصر تضم كافة خريجى الجامعات والمعاهد الفنية ومدارس التعليم الفنى. هذا بالإضافة الى جانب من المتسربين من النظام التعليمى. إلا أنه يمكن القول بأن هناك نوع من المغالاة فى هذه الأرقام. لان جانبا لا بأس به من هؤلاء يعمل بالفعل فى الاقتصاد الخفى ، من خلال سوق العمل غير المنظم. كذلك يشير Gutmann ( 1985 ) الى أن حوالى ربع قوة العمل فى الولايات المتحدة تعمل فى - أو لها صلة بـ - الاقتصاد الخفى ، سواء أفراد يعملون وظائف إضافية بالإضافة الى عملهم الرسمى فى هذا القطاع وهؤلاء يمثلون حوالى 80 % من العاملين فى الاقتصاد الخفى أما النسبة الباقية فتعمل فى الاقتصاد الخفى بصفة أساسية.


    ولكن لماذا تتحيز البيانات الرسمية عن البطالة. أن الخطأ يرجع الى أن معدل البطالة يقوم على أساس المسوحات التى تقوم على إجابات أفراد لا يقولون الحقيقة فيما يتعلق بحالتهم الوظيفية. أن جميع المسوحات التى تتم سواء على نطاق الآسرة أو غيرها تقوم على فرضية أن الأفراد أمناء فى إجاباتهم. على أن نتائج هذا الافتراض قد تكون خطيرة ولا يمكن الاستهانة بها. ذلك أن الأفراد الذين يسجلون ضمن الأفراد الذين يحصلون على إعانات بطالة أو غيرها من المدفوعات التحويلية عادة ما يفترض انهم يبحثون عن عمل . وإذا فرض أنهم لا يبحثون عن عمل فان حقهم فى الحصول على هذه الإعانات قد يتوقف. ولكن بعض هؤلاء قد لا يبحث عن عمل فعلا وبالتالى يحصلون على هذه المدفوعات بالاحتيال. من ناحية أخرى فان البعض الآخر قد يمارس الأنشطة الإجرامية التقليدية مثل السرقة والنشل وتوزيع المخدرات .. الخ ، أوقد يكون عرضة لأحكام جنائية. مثل هؤلاء عادة مالا يدعون أنهم يمارسون أعمالا تخرق القانون وعادة ما تكون إجاباتهم فى مسوحات العمالة بأنهم يبحثون عن عمل ومن ثم يصبحون ضمن إحصائيات البطالة الرسمية. وهكذا فان الإجابات غير الصحيحة تحدث تحيزا فى البيانات المشتقة من هذه المسوحات. وبما أن الاقتصاديين مجرد مستخدمين للبيانات فان معظم الاقتصاديين يدخلونها فى إطار نماذج اقتصادية قياسية بدون اعتبار لهذا التحيز فى البيانات وكنتيجة لذلك فان نتائجهم تكون متحيزة.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    2-Aug-2001
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    7,336
    5/2/3 - معدلات النمو الاقتصادى


    عندما يتواجد الاقتصاد الخفى فان معدلات النمو الحقيقى فى الاقتصاد سوف تختلف عن معدل النمو المسجل. فإذا كان كل من الاقتصاد الرسمى والخفى ينموان بصورة متوازية فان التحيز فى المؤشرات عن النمو الفعلى يصبح صفرا. أما إذا تعدى معدل نمو الاقتصاد الخفى معدل النمو الخاص بالاقتصاد الرسمى ، فان معدل النمو الاقتصادى العام فى الاقتصاد ككل يصبح أقل من الواقع والعكس. ومن ثم يظهر تشوه المؤشرات الاقتصادية فى صورة تقديرات أقل من الواقع ، أو تقديرات مغالى فيها عن معدل النمو الاقتصادى. وعلى ذلك فان قياسات الناتج القومى التى لا تأخذ الاقتصاد الخفى فى الحسبان تصبح غير مناسبة.


    إن الدراسات توضح أن تقديرات معدلات نمو الناتج فى الاقتصاد الخفى فى الكثير من الدول تفوق تلك الخاصة بالاقتصاد الشرعى. على سبيل المثال فقد بلغت معدلات النمو الأسمى للناتج فى الاقتصاد الخفى وفقا لـ Gutmann [ 1979 ] ما بين 1ر8% - 3ر8% بالمقارنة بـ 9ر7% للاقتصاد الشرعى فى الولايات المتحدة وذلك خلال الفترة من 1939 - 1976. كذلك يشير Fiege [ 1979 ] الى أن معدلات النمو للاقتصاد الشرعى فى الولايات المتحدة بلغت خلال الفترة من 1976 - 1978 حوالى 11.8% بينما إذا تم أخذ الاقتصاد الخفى فى الاعتبار فان معدلات النمو ترتفع الى 16.9% . أما فى ألمانيا ( الغربية سابقا ) فقد بلغت معدلات النمو وفقا لـ Duisburg ( 1984, p. 219 ) فى الناتج للاقتصاد الخفى عدة أضعاف معدلات النمو فى الاقتصاد الخفى. أكثر من ذلك فان Duisburg [ 1984 ] يشير الى أنه فى حالة الولايات المتحدة الأمريكية كان النمو فى المدى الطويل لكل من الاقتصادين على نحو غير متماثل. ففى بعض الأحيان كان الاقتصاد الخفى ينمو على نمط مخالف لنمط نمو الاقتصاد الشرعى. ففى الوقت الذى كان فيه الاقتصاد الشرعى فى حالة كساد كان الاقتصاد الخفى فى حالة رواج والعكس.


    إن العلاقة بين الاقتصاد الرسمى والاقتصاد الخفى تحتاج الى تناول الأثر على ضغوط العرض والطلب فى الاقتصاد الخفى الناتجة عن التغير فى أداء الاقتصاد الرسمى فى مجالات النمو الاقتصادى والبطالة والتضخم. ذلك أن النمو البطئ أو السالب فى الاقتصاد الرسمى ربما يؤدى من خلال تخفيض معدلات الزيادة فى الدخول الحقيقية الى زيادة الضغوط على الأفراد للبحث عن أو تدعيم مصادر الدخول الخاصة بهم ، لكى يحافظوا على مستويات المعيشة الحالية أو المتوقعة. وتزداد حدة هذه الضغوط إذا كان الكساد مصحوبا بزيادة فى الضرائب على الدخول الشخصية وذلك لتمويل الإنفاق الحكومى المتزايد ، أو ارتفاع معدل الفائدة بصفة خاصة على قروض الإسكان Mortgages ، كما هو الحال فى الدول المتقدمة ، وهو ما يؤدى الى تخفيض الدخل الشخصى المتاح للإنفاق والمولد من الاقتصاد الرسمى بصورة كبيرة.


    وتؤدى مثل هذه الضغوط الى زيادة عرض العمل فى الاقتصاد الخفى خصوصا إذا كانت مصحوبة بارتفاع فى معدل البطالة حيث يزداد عرض العمل الجاهز للتوظف ، أما لبعض الوقت أو لكل الوقت. وتزداد الضغوط نحو التحول الى الاقتصاد الخفى إذا كان الأفراد يحصلون على مدفوعات فى صورة إعانة بطالة أو أى إعانات أخرى. حيث سيفضل العمال فى هذه الحالة الحصول على أجور أقل ، أما بسبب إلحاح الحاجة نحو تدعيم دخلهم من الإعانات ، أو لأنهم بعد حصولهم على أجورهم من الاقتصاد الخفى سيتمكنون من المحافظة على نفس مستوى المعيشة الذى كانوا يحصلون عليه من خلال العمل لساعات أقل فى الاقتصاد الخفى. ويؤدى مثل هذا الانخفاض فى الأجور الى زيادة القدرة التنافسية للموردين فى الاقتصاد الخفى. كذلك فان هذه الضغوط التنافسية سوف تؤدى الى زيادة إلحاح الحاجة نحو البحث عن أسواق تحتية وبالتالى زيادة كمية السلع والخدمات المتاحة من خلال الاقتصاد الخفى.


    وبينما تؤدى البطالة المرتفعة والنمو البطئ فى الاقتصاد الرسمى الى زيادة حجم الاقتصاد الخفى من خلال آثار العرض هذه Supply Effects ، فان ارتفاع معدلات التضخم ربما تؤدى الى زيادة حجم الاقتصاد الخفى من خلال زيادة طلب المستهلكين نحو السلع والخدمات التى يتم إنتاجها فى الاقتصاد الخفى. إن ارتفاع معدلات التضخم ربما يؤثر على تقييم الأفراد لقوتهم الشرائية ، سواء كانت الدخول الحقيقية تتناقص أم لا ، ومن ثم تدفعهم نحو السعى الى تخفيض تكلفة السلع والخدمات التى يشترونها حتى وان كان ذلك فى مقابل جودة أقل، أو تزايد درجة عدم التأكد لديهم حول مستوى أو ضمان الجودة والتى عادة ما لا تتوافر فى المشتريات من الاقتصاد الخفى. باختصار فان كافة النواحى السلبية لأداء الاقتصاد الرسمى مثل انخفاض معدلات النمو وزيادة معدلات البطالة والتضخم تؤدى الى زيادة مستوى الاقتصاد الخفى وهو ما يؤكد العلاقة العكسية بين أداء الاقتصاد الخفى والاقتصاد الرسمى.


    على أن هناك بعض العوامل التى تدفع الى توقع أن نمو كل من الاقتصاد الرسمى والخفى مرتبط بصورة طردية. وهذه الأسباب ترتبط أساسا بآثار ارتفاع مستويات الدخل الحقيقى فى الاقتصاد الرسمى والنمو فى الطلب على خدمات الاقتصاد الخفى. إن جانب الطلب فى الاقتصاد الخفى مثله مثل أى سوق يتأثر بالقوة الشرائية للمستهلكين. ويؤدى الانحسار فى النشاط الاقتصادى الى التأثير على الدخول وهو ما يؤدى - بافتراض بقاء الأشياء الأخرى على حالها - الى انخفاض طلب المستهلكين على سلع وخدمات الاقتصاد الخفى وكذلك الاقتصاد الرسمى. أكثر من ذلك فانه إذا كانت سلع وخدمات الاقتصاد الخفى ذات مرونة دخلية مرتفعة ، وهو أمر وارد بالنسبة لبعض السلع والخدمات التى تقدم من خلال هذا الاقتصاد ، خصوصا بعض أنواع السلع والخدمات غير الشرعية مثل المخدرات والقمار والدعارة ، فان ذلك يؤدى الى زيادة مستوى النمو فى الاقتصاد الخفى مع نمو الاقتصاد الرسمى.


    كذلك فان نمو الاقتصاد الرسمى سوف يؤدى الى زيادة حجم الاقتصاد الخفى لآثاره على عرض العمل. حيث أن التوسع فى نشاط الاقتصاد الرسمى يؤدى الى زيادة مستويات الدخول وكذلك زيادة الضغوط نحو العمل الاضافى لهؤلاء العمال المنتسبون الى الاقتصاد الرسمى. وهو ما يؤدى الى قلة الوقت المتاح لدى الفرد لاداء بعض المهام البسيطة التى عادة ما يقوم بها الفرد بنفسه كما هو الحال فى الدول المتقدمة من طلاء المنازل وإصلاح السيارات .. الخ. أو أداء بعض الأعمال المنزلية مثل أعداد الطعام والجلوس بالأطفال وتنظيف المنازل والعناية بالحدائق .. الخ. ويزداد الدافع نحو عمليات شراء هذه الخدمات بدلا من أن يؤديها الفرد بذاته مع نمو الاقتصاد الرسمى الأمر الذى يستفيد منه الاقتصاد الخفى بالدرجة الأولى.


    وأخيرا فان زيادة النشاط الاقتصادى فى الاقتصاد الرسمى يمكن أن يؤدى الى زيادة حجم الاقتصاد الخفى ، لأنها تدفع بالأفراد نحو شرائح ضريبية أعلى بسبب زيادة الدخل وهو ما يدفع الأفراد نحو التحول الى الاقتصاد الخفى حيث لا توجد ضرائب كما سبقت الإشارة.


    5/2/4 - معدلات التضخم.


    يعنى وجود الاقتصاد الخفى أن معدل التضخم سيكون مغالى فيه ، حيث ستميل الأسعار فى الاقتصاد الخفى الى التزايد بمعدلات أقل عن تلك السائدة فى الاقتصاد الرسمى ، بصفة خاصة عندما يكون الاقتصاد الخفى منافسا للاقتصاد الرسمى فى تقديم نفس السلع والخدمات. فأحد جوانب الاستجابة للزيادة فى الأسعار هو زيادة حجم النشاط فى الاقتصاد الخفى. إذ أنه من المتوقع أن تكون أسعار السلع فى الاقتصاد الخفى أقل من الأسعار فى الاقتصاد الشرعى بأعباءه الضريبية والإجرائية.


    وعلى العكس من ذلك فانه أيضا من المتوقع فى حالة الدول النامية حينما تكون معظم السلع مدعمة أو تخضع للتسعير الجبرى أو أن تكون الخدمات محددة مع وجود فائض كبير فى الطلب على السلع والخدمات، مثال ذلك الدقيق والأسمنت والخشب وحديد التسليح أو حالة المساكن المؤجرة فى مصر. ففى مثل هذه الحالات يحدث تحيز فى بيانات التضخم ، لان سلة السلع التى يحسب على أساسها الرقم القياسى لتكاليف المعيشة لا تتعامل مع الاقتصاد الخفى كحقيقة واقعة ، وإنما يتم الحساب على أساس الأسعار الرسمية لهذه السلع والخدمات. وهكذا يمكننا أن نواجه حالة من اثنتين أما المغالاة فى معدلات التضخم، وأما أن تظهر معدلات التضخم بأقل من الواقع.


    5/2/5 - السياسة النقدية.


    إن وجود الاقتصاد الخفى سوف يعنى أن الطلب على النقود لأغراض اجراء المعاملات فى الاقتصاد الخفى لابد وأن يضاف الى الدوافع الأساسية للاحتفاظ بالنقود. إلا أن مثل هذا الطلب على النقود ليس حساسا للتغيرات فى معدلات الفائدة. لان الحاجة الى تجنب دفع الضريبة والرغبة فى عدم الكشف عن ممارسة أنشطة خفية قوية للغاية. وعلى ذلك تقل مرونة الطلب على النقود بالنسبة لمعدل الفائدة فى الاقتصاد ككل ، يعتمد ذلك على حجم الاقتصاد الخفى. على سبيل المثال فانه وفقا لتحليل كينز / هيكسKeynes/Hicks أو ما يعرف بتحليل IS/LM فان منحنى LM يصبح أكثر حدة Steeper ، ومن ثم على ذلك فان انتقال منحنى IS الى جهة اليمين ، والناتج عن الزيادة فى العجز فى ميزانية الحكومة مثلا سوف يؤدى الى زيادة معدل الفائدة الحقيقى بصورة سريعة ، وبالتالى حدوث ما يسمى بمزاحمة الاستثمار الخاص Crowding out.


    كذلك فان وجود الاقتصاد الخفى يؤثر على السياسة النقدية من خلال سلوك الأساس النقدى Monetary Base ، أى احتياطيات البنوك والنقود السائلة ، والتى يفترض أنها تحت تحكم وسيطرة البنك المركزى. وبما أن نسبة النقود السائلة المستخدمة فى الاقتصاد الخفى تعتبر مرتفعة ، فان سياسة البنك المركزى ليس لها أى تأثير مباشر على ذلك الجزء من الأساس النقدى. ولهذا الحد فان سياسة البنك المركزى لابد وأن يتم تحليلها فى ضوء آثارها على احتياطيات البنوك والجزء المتبقى من النقود السائلة فقط بعد استبعاد النقود السائلة المستخدمة بواسطة الاقتصاد الخفى. فإذا ما كانت السياسة النقدية متشددة ، فان ذلك يؤدى الى تقليل احتياطيات البنوك وكذلك فانه الكمية المحتفظ بها من النقود السائلة المستخدمة فى الاقتصاد الرسمى. الا أن ذلك لا يقلل من الكميات المحتفظ بها من النقود السائلة لأغراض اجراء المعاملات فى الاقتصاد الخفى الا إذا ترتب على السياسة الحكومية تخفيض فى حجم الاقتصاد الخفى نفسه.


    5/3 - الأثر على توزيع الموارد.


    يؤثر وجود الاقتصاد الخفى على أداء الاقتصاد بطرق عدة. ومن المحتمل أن يكون له آثار سلبية على الكفاءة الاقتصادية. على سبيل المثال إذا حدث نمو فى الاقتصاد ككل ، بما فى ذلك الاقتصاد الخفى ، فان الحاجة الى المزيد من الخدمات العامة سوف تكون أكثر إلحاحا. وبما أن الضرائب تجمع فى هذه الحالة من الاقتصاد الرسمى فقط ، فان مستوى الضرائب على الأنشطة التى تتم فى الاقتصاد الرسمى سيزداد. وتؤدى هذه الزيادة فى الضرائب الى دفع المزيد من الأنشطة الى التحول نحو الاقتصاد الخفى. حيث تزداد العوائد من التهرب الضريبى. وفى ظل هذا الوضع تصبح المنافسة غير عادلة بين الاقتصاد الخفى والاقتصاد الرسمى بالشكل الذى يمكن الاقتصاد الخفى من اجتذاب قدر أكبر من الموارد. وسوف يستمر هذا التدفق من الموارد المحولة من الاقتصاد الرسمى نحو الاقتصاد الخفى طالما أن معدلات العائد الصافى ( بدون الضريبة ) أعلى فى الاقتصاد الخفى عن الاقتصاد الرسمى.


    إن التوازن الذى سيصل إليه الاقتصاد فى ظل وجود الاقتصاد الخفى سوف يكون أقل من المستوى الأمثل ، حيث سيتم توزيع الموارد بصورة تختلف عن هذا الوضع. فعلى مستوى التحليل الاقتصادى الجزئى يؤدى الاقتصاد الخفى الى تعديل أسلوب استخدام العمل والعناصر الأخرى للإنتاج. على سبيل المثال يؤدى انخفاض حجم القاعدة الضريبية الى وجود فارق بين عناصر الإنتاج المستخدمة فى القطاعات التى تخضع للضريبة والقطاعات غير الخاضعة للضريبة وذلك بإعطاء ميزة تنافسية فى تكاليف عناصر الإنتاج بالنسبة للأنشطة التحتية غير الخاضعة للضريبة. إن النتيجة المترتبة على ذلك هى إعادة توزيع الموارد بين الأنشطة الأكثر كفاءة والتى تخضع للضريبة والأنشطة الأقل كفاءة والتى لا تدفع الضريبة ، الأمر الذى يؤدى الى انخفاض مستوى الكفاءة فى الاقتصاد. فقد قدر Alm ( 1985 ) مقدار الفقد فى الرفاهية الناتج عن هذه الفروق فى التحصيل الضريبى فى الولايات المتحدة الأمريكية بحوالى 28% من اجمالى الضرائب عام 1980 ، أو حوالى 9% من الناتج المحلى الاجمالى.


    كذلك فان الاقتصاد الخفى عادة ما يستخدم أنواعا معينة من التكنولوجيا بصفة خاصة تكنولوجيا المشروعات ذات الحجم الصغير ، كذلك فانه يقوم على أساس نظام محدد للإدارة يعتمد بصفة أساسية على نظام الاتصال المباشر والتى يترتب عليها تكلفة أكبر للعمليات. أما الاقتصاد الرسمى فيستخدم نظم التكنولوجيا واسعة المجال ونظم للاتصال أقل تكلفة. وعلى ذلك فانه على المدى الطويل ستكون الإنتاجية الحدية للعامل فى الاقتصاد الخفى أقل من الإنتاجية الحدية للعامل فى الاقتصاد الرسمى. الا أن خيار المستهلك بين السلع المنتجة فى الاقتصاد الخفى والاقتصاد الرسمى قد يميل نحو تفضيل السلع المنتجة فى الاقتصاد الخفى ، بالرغم من سيادة نظم الإنتاج الأقل كفاءة نتيجة وجود القيود الضريبية ، وذلك بسبب انخفاض أسعار السلع المنتجة فى هذا الاقتصاد.


    على أنه تجب ملاحظة أن مدى سلامة التحليل السابق تعتمد على فروق الكفاءة فى استخدام الموارد بين الاقتصاد الرسمى والخفى. ويلاحظ أن معظم التحليل فى أدبيات الاقتصاد الخفى يقوم على افتراض أن كفاءة استخدام الموارد فى الاقتصاد الخفى أقل من الاقتصاد الرسمى ، وهو افتراض قد لا يكون صحيحا فى بعض الأحيان ، وخصوصا فى الاقتصاديات التى تعانى من تشوهات ناجمة عن عدم صحة السياسات الاقتصادية المطبقة. ففى مثل هذه الحالة يترتب على عملية تحويل الموارد نحو الاقتصاد الخفى الى وضع الاقتصاد عند مستوى توازن أفضل مما لو تم توجيه الموارد نحو الاقتصاد الرسمى.


    6 - الآثار الإيجابية للاقتصاد الخفى.


    تركز معظم الدراسات التى تمت على الاقتصاد الخفى أساسا على الجوانب السلبية التى يحملها وجود مثل هذا الاقتصاد سواء على مستوى التحليل الاقتصادى الكلى أو الجزئى. الا أن ذلك لا يعنى أنه لا توجد آثار إيجابية لمثل هذا الاقتصاد. إذ يشيرMirus & Smith [ 1994 ] إلى أن هناك بعض الفوائد المرتبطة بوجود الاقتصاد الخفى على المستوى القومى. ذلك أن قدرة هذا الاقتصاد على تجنب آثار الإجراءات التنظيمية مثل قوانين الحد الأدنى للأجور والضرائب تجعل هذا الاقتصاد أكثر ديناميكية. ومن ثم أكثر قدرة على الاستجابة بسرعة للتغيرات التى تحدث فى ظروف السوق بالمقارنة بالاقتصاد الرسمى. كذلك فان هذا الاقتصاد سيكون قادرا على تقديم السلعة أو الخدمة بأسعار أقل ، وبالتالى يحقق آثارا توزيعية موجبة من خلال مساعدة محدودى الدخل. ويعنى ذلك أن الاقتصاد الخفى قد يؤدى الى تخفيض الفروق فى توزيع الدخل. كما أن هناك إمكانية أن يساعد نمو الاقتصاد الخفى على إيضاح التغيرات المطلوبة لكى يصبح الاقتصاد ككل فى وضع تنافسى. فقد يكون الاقتصاد الخفى اكثر استجابة للظروف والتغيرات على مستوى الاقتصاد بالشكل الذى قد يساعد صانع السياسة الاقتصادية على ***ى عملية التعديل الهيكلى المطلوبة لكى يظل الاقتصاد فى وضع أفضل. على أن ذلك لا ينطبق على كافة السلع التى يتم إنتاجها فى الاقتصاد الخفى ، فهناك بعض السلع والخدمات التى يتم إنتاجها فى الاقتصاد الخفى ولكنها تحمل آثارا سلبية على المستوى الاجتماعى مثل المخدرات والقمار وغيرها.



    ويتساءل Duisburg [ 1984 ] عما إذا وجود اقتصاد خفى كبير الحجم ومنتج وديناميكى يعد ضرورة لعملية الاستقرار الاقتصادى فى الاقتصاديات الحديثة ، خصوصا مع تزايد درجات الجمود Inflexibilities فى الاقتصاد الرسمى. ففى بعض الأحوال قد تؤدى بعض جوانب الجمود فى الاقتصاد الى رفع معدلات الإفلاس بين المنشات ورفع معدلات البطالة. كذلك فقد تتوقف سياسات مكافحة التضخم بسبب الضغوط الناجمة عن الرأى العام والانخفاض فى مستوى شعبية الحكومة الأمر الذى يدفع الى سياسة اكثر تكلفة من الناحية السياسية من خلال السماح للتضخم بالاستمرار فى سبيل هدف التوظف الكامل. وهكذا يؤدى التفاعل بين الأنشطة الاقتصادية والسياسية الى سلسلة حلزونية من التضخم والبطالة. وفى مثل هذه الحالات قد يلعب الاقتصاد الخفى كما يشير Duisburg دور المهدئ الاجتماعى Social Mollifier . بل ويصل الحد بـ Duisburg ( 1984 ) الى القول بأنه " سواء كان الأمر هو استعادة أو المحافظة على الاستقرار الاقتصادى ، فان وجود اقتصاد خفى منتج ومرن أصبح أساسا مهما لنجاح عملية الاستقرار الاقتصادى" ( صفحة 225 ).


    7 - كيف يمكن التغلب على ظاهرة الاقتصاد الخفى


    يتفق معظم دارسى الاقتصاد الخفى على أن السياسات الاقتصادية سوف تكون أكثر فعالية إذا ما كان حجم الاقتصاد الخفى صغيرا. ومن ثم فقد اقترحت عدة إجراءات للتعامل مع ظاهرة الاقتصاد الخفى فى محاولة للقضاء عليه أو التخفيف من حدة الآثار المترتبة على وجوده. لقد أثبتت الدراسات كما سبقت الإشارة الى أن التهرب الضريبى يلعب دورا أساسيا فى نمو الاقتصاد الخفى. غير أن التهرب الضريبى يرتبط بمعدل الضريبة. فإذا مال هذا المعدل الى الارتفاع فان معدل التهرب الضريبى يرتفع وبالتالى حجم الاقتصاد الخفى. أن معالجة الاقتصاد الخفى الناجم عن ارتفاع مستوى التهرب الضريبى أو ارتفاع معدل التهرب الضريبى لابد وان ترتبط بالاتى :


    - إعادة إصلاح النظام الضريبى.


    - مراجعة أساس حساب الضريبة ومعدل الضريبة و التصاعد الضريبى.


    - مراجعة أشكال الكشف عن مصادر الدخل وأساليب التحصيل.


    - تقليل المستندات والأوراق المطلوبة للمراجعة الضريبية وتبسيط الإجراءات خصوصا بالنسبة للمشروعات الصغيرة ذات الإمكانيات المحاسبية المحدودة.


    - مراجعة مدى حدة العقوبات على التهرب الضريبى.


    - مراجعة مدى ملائمة النظام الضريبى ككل.


    ويفترض من الناحية النظرية أن كل شخص يعمل فى الاقتصاد الخفى له احتمال اكتشاف أو إمساك متساو مع الآخرين. كذلك فانه إذا تم القبض عليه فلابد وأن يخضع لنفس العقوبة أو يدفع نفس الثمن. وبالرغم من بساطة هذا المدخل فان هناك بعض الأسئلة التى تحتاج الى إجابة. على سبيل المثال ما هو المعدل الأمثل للكشف عن المتعاملين فى الاقتصاد الخفى؟. وما هو مستوى العقوبة الأمثل؟. وما هو المعدل الأمثل للتهرب الضريبى؟. ربما يكون أحد الحلول هو وضع عقوبة أو غرامة عالية جدا مع التقليل من عمليات المراجعة الضريبة لان العقوبات ليس لها ثمن تقريبا بينما عمليات المراجعة مكلفة للغاية. إن السلطات الضريبية قد تكون قادرة على إتباع سياسات فعالة إذا كان لديها الوسائل التى تحدد بمقتضاها ما إذا كان الشخص يحاول أن يتهرب من دفع الضرائب أم لا. ويمكن أن يتم ذلك على سبيل المثال من خلال مقارنة التقارير المقدمة من الفرد عن دخله بمستوى دخول الأشخاص الآخرين الذين يخضعون للضريبة والذين يعملون فى نفس الوظيفة أو يقيمون فى نفس المنطقة السكنية. فإذا ثبت اختلافها يتم اجراء مراجعات دورية لهذا الشخص. بمعنى آخر فان هناك احتمالات مراجعة ضريبة تختلف حسب المجموعات المختلفة فى المجتمع.


    إن احتمال الاكتشاف ومدى حدة العقوبات على التهرب الضريبى تؤثر على حجم الاقتصاد الخفى. فبشكل عام إذا كانت العقوبات حادة ، وكذلك إذا ارتفع احتمال الاكتشاف ، فان الحوافز نحو دخول الأفراد الى الاقتصاد الخفى سوف تكون أقل. الا أن تنفيذ هذه السياسة ليس أمرا سهلا. إذ أن عملية فرض الضرائب والمراجعة الشاملة لمصادر الدخل والمستندات المقدمة تتطلب تكاليف مرتفعة. ولذلك فان إتباع هذه السياسات القمعية لابد وأن يوضع فى إطار من تحليل التكاليف / العوائد Cost/Benefit Analysisمن وجهة نظر المجتمع. أكثر من ذلك فان زيادة العقوبات وزيادة احتمال الاكتشاف سوف يترتب علية اتجاه الممولين نحو تجنب الضريبة ، حيث يقل إقبال الممولين على الأنشطة الخاضعة للضريبة والتى سيقومون بإخفاء جانب من دخولهم منها. كذلك فان هناك مشكلة ميل نحو تزايد أثر الانتشار Ratchet Effect والذى يتمثل فى أنه قد لا يكون لدى الأفراد رغبة فى البداية فى دخول الاقتصاد الخفى ، الا أنهم بعد دخوله فد يكون من الصعب إخراجهم منه ، بمعنى أخر إذا أدت الضريبة الى تحول الأفراد نحو الاقتصاد الخفى فقد يصعب انتشالهم منه بمجرد خفض الضرائب.


    إن تخفيض عملية التهرب الضريبى من خلال زيادة عمليات المراجعة الضريبية لاشك عملية مكلفة. أكثر من ذلك فان منع التهرب الضريبى قد يحمل أثارا سلبية وليس إيجابية. ذلك أن القضاء على التهرب الضريبى بشكل كامل أمر شبه مستحيل ومن ثم يكون من الأفضل ألا نقضى على التهرب الضريبى بالكامل ولكن أن نحاول التوصل الى وضع أمثل حيث تتساوى فيه التكلفة الحدية للقضاء على الاقتصاد الخفى مع الإيراد الحدى الذى ينتج عن هذه العملية. وبالرغم من أن هذه السياسة تبدو لأول وهلة سهلة ، الا أن صياغة هذه السياسة والتطبيق العملى أمر قد تكون صعبة للغاية. فالسلطات لديها العديد من الأسلحة التى يمكنها اللجوء إليها لمكافحة الاقتصاد الخفى ، على سبيل المثال تكثيف عمليات التفتيش الضريبى ، وزيادة العقوبات ، وخفض معدلات الضرائب... الخ. ويحتاج تحقيق الوضع الأمثل الى عملية اجراء موازنة دقيقة بين هذه الأدوات.


    وقد تساعد عملية كذلك لابد من تعديل معدلات الضرائب مع معدلات التضخم ، أو ما قد يطلق عملية التقييس فى ظل وجود التضخم Inflation Indexation فى التخفيف من الاتجاه نحو الاقتصاد الخفى. إذ أن عملية التقييس سوف يترتب عليها التقليل من الشعور بأن التضخم سيؤدى الى نوع من عدم العدالة فى توزيع الدخل ، أو أن دافعى الضرائب سوف ينتقلون الى شرائح أعلى مع ارتفاع الأسعار بما يدفعهم الى تفضيل التهرب الضريبى. أما عدم تقييس معدل الضريبة بالتضخم فسوف يؤدى الى زيادة مستوى الاقتصاد الخفى.


    لقد اقترحت عدة اقتراحات للقضاء على ظاهرة الاقتصاد الخفى ، منها زيادة الغرامات على هؤلاء الذين يعملون فى صورة خفية ، وكذلك على هؤلاء الذين يقومون بتوظيفهم ، وكذلك زيادة أعداد مفتشى العمل ، وإظهار درجة أكبر من التحكم والسيطرة على هذه الأشكال من العمالة الخفية. كذلك اقترحت عمليات تنمية الوعى الجماهيرى بأهمية الظاهرة وآثارها السلبية على الاقتصاد والمجتمع وأهمية الحاجة الى تحجيم هذا الاقتصاد. واقترح أيضا إدخال قوانين وإجراءات جديدة للتعامل مع الظاهرة ، مثل تخفيض أو على الأقل تثبيت مستويات الضرائب وتقليل اشتراكات التأمينات الاجتماعية وتغيير بعض قوانين العمل أو إلغاءها ، والتشدد فى تطبيق الإجراءات الموجودة أو إدخال إجراءات جديدة للحد من العمالة المنزلية والأعمال المؤقتة والتعاقدات من الباطن وغيرها من الأشكال التى تسمح بازدهار الاقتصاد الخفى.


    وبالرغم من أن الكثير من الدول قد مارس بعض أو كل هذه الإجراءات للقضاء على الاقتصاد الخفى الا انه يبدو أن هذه الإجراءات لم تكن ناجحة فى السيطرة على الاقتصاد الخفى. فمازال الاقتصاد الخفى يمثل ظاهرة لا يمكن إغفالها فى كافة الدول بل مازال الاقتصاد الخفى ينمو فى الكثير من الدول ، مما يعنى أن هذه الإجراءات لم تكن ناجحة. أن علاج ظاهرة الاقتصاد الخفى لا يمكن أن يتم بدون الوقوف على الأسباب الحقيقية لوجود هذا الاقتصاد. فزيادة مستوى العقوبات المرتبطة بالاشتراك فى أنشطة الاقتصاد الخفى عادة ما تتناول الأعراض دون أن تلمس الأسباب الحقيقية للنمو فى أنشطة الاقتصاد الخفى. بل على العكس من ذلك فإنها ترفع من تكلفة المخاطرة للمتعاملين فى هذا الجانب من الاقتصاد وتكون النتيجة أسعارا أعلى للأنشطة التى يتم ممارستها فى هذا الاقتصاد ، ومن ثم انخفاض فى مستويات المعيشة لعموم جمهور المتعاملين فى هذا الاقتصاد.


    ومما سبق يتضح أن القضاء على الاقتصاد الخفى مسألة شبه مستحيلة ، ففى جميع الدول المتقدمة والنامية سوف يتعايش الاقتصاد الخفى جنبا الى جنب مع الاقتصاد الخفى. ومن ثم يصبح السبيل الوحيد أمام صانع السياسة الاقتصادية هو محاولة البحث عن علاج يناسب طبيعة الأسباب التى تقف وراء الظاهرة ، والتى تنصب أساسا على تخفيض الحوافز نحو الانضمام الى هذا الاقتصاد ، وزيادة درجة جاذبية الاقتصاد الشرعى بالشكل الذى يجعل حجم الاقتصاد الخفى هامشيا ، وذلك فى إطار من وزن التكاليف والعوائد المرتبطة بوجود هذا الاقتصاد ، وتلك المرتبطة بالقضاء عليه بحيث نصل الى ما يمكن أن نطلق علية الحجم الأمثل للاقتصاد الخفى الذى يسمح له بأن يتعايش مع الاقتصاد الرسمى ، وبالشكل الذى يقلل من الآثار السلبية للاقتصاد الخفى الى أدنى مستوى ممكن.

    Dr.sekka

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
المنتدى غير مسؤول عن أي معلومة منشورة به ولا يتحمل ادنى مسؤولية لقرار اتخذه القارئ بناء على ذلك